كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

يناقضون بها المأخذين السلفيين ، وكفى بمناقضتها لها حجة على اختلالها . فأما قضايا السلفيين فما لم يكن منها من ذاك القبيل فهو قريب منه ، وقد أمن اختلالها بإقرار الشرع لها ، فأما ما لم يقتصر الشرع على اقرارها ، بل جاء على وفقها ، فتلك الغاية .
الأمر الرابع : مزاولة العلوم العقلية دلت على أنه يتعارض دليلان قاطعان بحسب الظاهر بحيث نعجز عن القدح فيهما ، وما هو إلا للجزم بمقدماتهما مع أن أحدهما خطأ قطعاً .
أجاب العضد بأن البديهي ما يجزم فيه بتصور الطرفين فيتوقف على تجريدهما فلعل فيه خللاً .
أقول : هذا اعتراف بأن الجزم قد يكون خطأ ، فقد يكون هناك خلل يخفى على الناظر الماهر فيجزم بأنه لا خلل ، غاية الأمر أنه عند تعارض الدليلين العقليين يتنبه فيعرف أن هناك خللاً فكيف بما يلوح للمتعمق من الدلائل العقلية بدون أن يلوح له ما يعارضه ؟ فأما النصوص الشرعية فأنهم لا يعتدون بها ، على أن المتعمقين ربما يرجحون الدليل الخفي المعقد الذي هو مظنة الخلل على البديهي الواضح – ميلاً مع الهوى ورعباً ممن يرونه أمهر في التعمق منهم ، ولأنه يصعب عليهم معرفة الخلل في الخفي المعقد ، ويسهل عليهم أن يدفعوا البديهي الواضح ، بأن يقولوا : هذه قضية وهمية .
الأمر الخامس : أنا نجزم بصحة دليل آونة ، وبما يلزمه من النتيجة ، ثم يظهر خطاؤه ، فجاز مثله في الكل .
أجاب الشارح بقوله : (( لا نسلم أن مقدمات الدليل الذي نجزم بصحته آونة بديهية ، ولئن سلم ذلك فالبديهي قد يتطرق إليه الاشتباه لخلل في تجريد طرفيه وتعقلهما على الوجه الذي هو مناط الحكم بينهما ، ذلك لا يعم البديهيات )) .
أقول : هذا اعتراف بأن الناظر الماهر قد يجزم بأن المقدمة بديهية ، والواقع أنها غير بديهية وقد يجزم بعد تدبره وإنعام نظره أنه لا خلل وتمام الكلام كما مر في (( الأمر الرابع )) .
الأمر السادس : أن في كل مذهب قضايا يدعي صاحبه فيها البداهة ، ومخالفوه ينكرونها ، وهو يوجب الاشتباه ورفع الأمان ، فلنعد عدة منها ... )) فذكروا إحدى عشرة قضية ثم

الصفحة 217