كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

وإن هناك معيار صحيح فما هو ؟ قالوا : المعيار أن تعرض القضية البديهية المنظور فيها على البديهيات الأخرى ، فإن وجدت فيها ما ينتج نقيض هذه القضية علمنا هذه وهمية .
قلت : هبوا أني تمسكت بقضية يقينية ، فخالفني مخالف وذكر بديهية أخرى وزعم أنها عقلية يقينية ، وأنها تنتج نقيض قضيتي ، فقد لا أسلم أ، القضية التي ذكرها عقلية يقينية ، بل أحتج على أنها وهمية بإنتاجها نقيض قضيتي ، وما أنتج نقيض الحق فهو باطل، وإن سلمت أن القضية عقلية فقد لا تكون من القضايا المتفق عليها بين العقلاء ، وإذا لم تكن منه لم يؤمن أن تكن في نفس الأمر وهمية وتابعت صحبي على الخطأ ، وإن كانت من القضايا المتفق عليها بين العقلاء أو بيني وبين صاحبي فقد لا أسلم صحة استنتاجه ، إذ غايته أن تكون صحة بديهية فلعل بداهته وهمية ، بدليل مناقضته لقضيتي وما ناقض الحق فهو باطل ، فالمعيار الذي ذكرتم لا يفيد إلا حيث تكون القضية المعتبر بها من القضايا المتفق عليها بين العقلاء ، وتكون صحة إنتاجها كذلك ، وهذه فائدة ضئيلة لا تتأتى في شئ من القضايا التي اختلفتم فيها .
فإن قيل فماذا يقول السلفيون ؟
قلت: يقولون : القضية المحتاج إلى التثبت فيها (1) إما غير ماسة بالدين البتة ، وإما ماسة به .
فالأولى : لا شأن لهم بها بل يدعونها لعلماء الطبيعة .
و أما الثانية : فإما أن لا تكون من المأخذ السلفي الأول وإما أن تكون منه .
فالأولى : لا يعتدون بها إلا أن بعضه قد يتعرض لها وافقت المأخذين السلفيين .
وأما الثاني فيحكمون فيها الشرع ، فإن وجدوه جاء بما يخالفها علوا أنها باطلة ، وإن وجدوه أقر الناس على اعتقادهم الديني بحسبها علموا أنها حق ، ولأن الشرع لا يقر على مثل هذا إلا وهو حق ، فأما إذا زاد الشرع فجاء على وفقها فتلك الغاية .فهذا المعيار هو الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده وكره لهم ما عداه ، فهو الصراط المستقيم
__________
(1) اختراس من القضايا الواضحة ومنها أصل الشرع إلا به . المؤلف

الصفحة 219