كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

خطأ وغلطا ، واعترف المتعمقون بذلك كما مر مراراً ، وإذا احتمل ولو على غاية البعد أن يكون الجزم خطأ لم يكن الجزم بصحة النظر علماً بصحته ، ولا الجزم بإفادته العلم علماً بذلك ، ولا الجزم بأن ما أفاده علم علماً بذلك ، ولا الجزم بعد المعارض علماً بعدمه ، ولا يحصل الأمن من أن يكون كل ذلك جهلاً .
فإن قيل : إننا نقطع مع هذه الشبهات كلها بأن من النظار ما هو صحيح .
قلت : إن كان المراد الصحة في الجملة أي أن يمتنع أن تكون النظار كلها فاسدة ، فهذا لا يجدي في الأنظار الجزئية واحداً واحداً ، وإنما يفيد في كل منها الاحتمال ، فكل نظر يجزم بصحته فإنه يحتمل أن يكون فاسداً فينفس الأمر ، ولا ينافي ذلك امتناع أن يعم الفساد جميع الأنظار . وإن كان المراد القطع في بعض الأنظار بعينها فهذا لا يسلم بالنسبة إلى النظر المتعمق فيه في الإلهيات ونحوها ، وإنما غاية ما يحصل لكم في ذلك الجزم وقد علمتم ما فيه ، وإنما يسلم في القضايا السهلة الواضحة التي تؤول إلى البديهيات المتفق عليها عن قرب ، نعم قد يحصل القطع بالأمر لدليل آخر غير النظر الدقيق، كاجتماع أدلة يحصل اليقين بمجموعها ، وكأن تكون القضية بديهية قوية وهي في الدين ويقرها الشرع ، وكأن يصرح بها الشرع تصريحاً لا يمكن تأوبله إلا بجملة على الكذب أو التلبيس – وسيأتي شرح هذا إن شاء الله تعالى – لكن اليقين بهذه القضايا لا يستلزم صحة نظر دقيق يوافقها بنتيجته إذ قدح تصح النتيجة مع الفساد النظر كما لو أشرت إلى جسم أبيض وقلت : هذا جسم وكل جسم أبيض ، فإن النتيجة (( هذا أبيض)) وهي صادقة ، والنظر فاسد كما لا يخفى .
وأما القادحون في النظر في الإلهيات فقالوا : إن النظر إنما قد يفيد العلم في الهندسيات والحسأبيات ، دون الإلهيات ، فإنها بعيدة عن الأذهان جداً ، والغية القصوى فيها الظن والأخذ بالأخرى والأخلق ، وأحتجوا بوجهين :
الأول الحقائق الإلهية من ذاته وصفاته سلا تتصور ، والتصديق بها فرع التصور .
الثاني ، أقرب الأشياء إلى الإنسان هويته التي يشير إليها بقوله : (( أنا )) وإنها غير معلومة – لا من حيث وجودها فإنه لا خلاف فيه – بل من حيث تصورها بكنهها ، ومن

الصفحة 223