كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

حيث التصديق بأحوالها من لونها عرضاً أو جوهراً ، مجرداً أو جسمانياً ، منقسماً أو غير منقسم ، وقد كثر الخلاف فيها كثرة لا يمكن معها الجزم بشيء من الأقوال المختلفة، وإذا كان اقرب الأشياء إلى الإنسان هذا حاله فما الظن بأبعدها ؟ ذكر هذا كله في (المواقف) ثم ذكر أنه أجيب عن الوجه الأول بأنه يكفي التصور بعارض يكون هو مناط الحكم ، وعن الثاني بقوله : (( لا نسلم أن هوية الإنسان غير معلومة له ، وكثرة الخلاف فيها لا تدل إلا على العسر )) قال السيد في ( شرحه ) : (( فلم يثبت بما ذكرتم أن هناك نظراً صحيحاً لا يفيد علماً ، بل ثبت أن تميز النظر الصحيح عن غيره [ في شأن الهوية ] مشكل جداً فيكون ذلك في الإلهيات أشكل ، ولا نزاع فيه )).
أقول : الذي يظهر من كلام القادحين وما استدلوا به أنهم لم يزعموا أن النظر الصحيح في الإلهيات لا يترتب عليه نتيجة صادقة ، ولا انه لا يمكن فيها نظر صحيح في نفس الأمر ، وانما زعموا انه لا يمتاز فيها النظر الصحيح من غيره لشدة البعض والغموض والاشتباه والأشكال ، فلذلك لا تعلم صحة النظر علماً يوثق به ، فلا تعلم صحة النتيجة ، فلا يفيد علماً ، وعلى هذا فلهم ان يقولوا ، التصور بعارض يكون هو مناط الحكم محل غموض واشتباه شديد لاحتمال مخالفة الإلهيات لغيرها في العوارض وما يترتب عليها ، والعسر وشدة إشكال تمييز النظر الصحيح من غيره في شأن الهوية وكونه في الإلهيات أشد وأشد كاف في القدح ، إذ غاية ما قد يحصل للناظر أن يجزم ، وقد تقدم مراراً أن الجزم كثيراً ما يكون خطأ وغلطاً . إذا كان قد يقع ذلك في الحسيات ونحوها ، فما الظن بما هو من البعد والإشكال بالدرجة القصوى ؟
هذا ويرد على القادحين أن من أحوال الإلهيات ما هو على خلاف ما ذكروا كالعلم بوجود الخالق عز وجل ، وبأنه حي عليم قدير حكيم ، لكن لهم أن يقولوا ، أما ما كان من هذا القبيل فهو من الضروريات كعلم الإنسان بوجود هويته وبعض صفاتها أو أوضح من ذلك ، وإنما دخل التشكل من جهة النظر المتعمق فيه ، وتجاهل وهنه ، حتى جر أصحابه إلى إنكار الضروريات كما وقع للسوفسطائيين وغيرهم .

الصفحة 224