فإن قيل: فكذلك أو قريب منه أدلة المأخذين السلفيين لأنها تقبل التشكيك ولو بصعوبة .
قلت : أما جلائل الأدلة من المأخذ السلفي الأول وهي التي يتوقف عليها ثبوت أصل الشرع فإنها تقبل التشكيك عند من ابتلي بالنظر المتعمق فيه . وهذا لا يضرنا ، فإن من هؤلاء من شك في البديهيات كلها ، ومنهم من يشك في كل شئ ، ومن يجحد كل فيقول ليس في نفس الأمر شئ بحق كما تقدم ، على أننا إن سلمنا قبول التشكيك مطلقاً، فإننا نقول : إن ذلك إنما يكون في حق من لم يقبل الشرع الحق ويمتثل أوامره .و وجوب قبول الشرع يكفي فيه العلم بأنه أولى بالحق والصدق والنجاة والسعادة ، وهذا يحصل قطعاً لكل مكلف أصغى للحجة ، فإذا قبل الإنسان الشرع وامتثل أوامره مع صدق رغبة في الحق هيأ الله تعالى له اليقين بما شاء إن لم يكن بدليل واحد فبمجموع أدلة كثيرة، وفوق ذلك العناية ، قال تعالى : [ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ] المجادلة : 22 .
وقال تعالى : [ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ] الحجرات : 14 .
كلمة [ لماَّ] تؤذن بأن المنفي بها هو بصدد أن يثبت قريباً فهذا وعد من الله عز وجل بأن يدخل الإيمان في قلوبهم جزاء لقبولهم الإسلام .
وقوله : [ وإِن تطيعوا ... ] قال بعض أهل العلم : المعنى إنكم إن أطعتم ، رزقكم الله تعالى الإيمان فتستحقون ثواب الأعمال .
وقال عز وجل : [ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ] محمد : 17 .
وقال تعالى : [ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِل ] الزمر: 36 – 37 .و قد ذكر الغزالي نفسه أنه كان في أول أمره يشك في كل شئ حتى البديهيات