كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

الضرورية الأولية قال : (( حتى شفى الله تعالى عني ذاك المرض والإعلال ، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ، ورجعت الضروريات العقلية موثقاً بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور ، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف )) نقله عن شارح ( العقيدة الأصفهانية )
ص 94 – 95 ، ونقل عنه ص 98 : (( وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في تفتيشي عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى ، وبالنبوة واليوم الآخر ، وهذه الأصول الثلاثة كانت رسخت في نفسي بلا دليل محرر ، بل أسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها )) .
أقول : وذلك النور الذي يقذفه الله تعالى في الصدور ليس لكل أحد فإنه لم يحصل لمنكري البديهيات ، وقد ذكر الغزالي أنه بقي نحو شهرين على الشك ، بل قد يقال إنه في الأصل بالنسبة إلى الضروريات عام ولكن من خاض في النظر المتعمق فيه وحاول اكتساب اليقين من جهة النظر احتجب اليقين من جهة النظر احتجب عنه ذلك النور ، فإن استمر على ذلك استمر على الشك كالسوفسطائية ، وإن رجع إلى القناعة بالفطرة عاد له ذلك النور كما وقع للغزالي ، وكذلك ليس قذف النور محصوراً في الضروريات العقلية التي يعنيها الغزالي ، بل يتناول جميع القضايا العقلية التي لا يثبت الشرع بدونها ، ولكن حصوله فيها كلها موقوف على صدق الرغبة في الحق والخضوع لما ظهر منه ، وإيثاره على كل هوى .
و الأسباب والقرائن والتجارب التي تحصل الإيمان اليقيني بالله تعالى وبالنبوة واليوم الآخر ليست مقصورة على النوع الذي ذكر الغزالي أنه اتفق له بممارسته للعلوم ، بل ييسر الله تعالى لمن شاء ما هو أقرب منها وأقوى بالنظر العادي في آيات الآفاق والأنفس وتدبر الكتاب والسنة . وإنما الشأن في التعرض لفضل الله عز وجل ، فمن اكتفى أولاً برجحان الشرع فآثره على هواه وأسلم له نفسه ة خضع لما جاء به ووقف عند حدوده فقد تعرض لنيل ذلك النور ، وذلك اليقين على وجه هو أصفى مما قد حصل بممارسته العلوم وأضوأ وأبهى وأهنأ ، لأن ممارسته المعقولات في شأن الآلهيات تعترض فيها الشبهات والتشكيكات ، بل الأمر أشد من ذلك ، فإن الخوض في النظر المتعمق فيه طلباً للهدى من جهته عدولٌ عن الصراط المستقيم ،

الصفحة 228