كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

و خروج عن سبيل المؤمنين ، فهو تعرض للحرمان والخذلان والإضلال ، لكن قد يعذر الله تعالى بعض عباده ، فلا يحرمه فضله إلا أن الشبهات تنغصه عليه بل لا تزال تغالبه وقد تكون العاقبة لها والعياذ بالله .
هذا ومن حصل له اليقين بصحة الشرع جملة فقد حصل له اليقين بصدق جميع ما جاء به الشرع ، وأنه لا يتطرق إليه إختلال البتة إذ يستحيل ههنا الجهل ، والخطأ ، والكذب ، والتلبيس ، والتقصير في البيان ، وهذا هو حال المأخذين السلفيين .
غاية الأمر أنه قد تعرض لمن حصل ذلك شبهة يتعسر عليه حلها ، فإذا رجع إلى إيمانه وتصديقه لربه لم يبال بتلك الشبهة . وقد تقدم عن النظار فيما أجابوا به عن الأمور التي أوردها القادحون في البديهيات قولهم : (( لا نشتغل بالجواب عنها ، لأن الأوليات مستغنية عن أن يذب عنها ، وليس يتطرق إلينا شك فيها بتلك الشبهة التي نعلم أنها فاسدة قطعاً ، وإن لم يتيقن عندنا وجه فسادها )) . فهكذا يقول السلفي في دفع الشبهات المناقضة ، لما أيقن به من صدق الشرع . والخائب الخاسر من نسي إيمانه ويقينه ، واغتر بالشبهات فهلك .
قال الله تعالى : [)وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ . مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ] .
الأعراف :175- 178.
أما قول الغزالي : (( فإن المستقل بالنظر الذي يستوي ميله في نظره إلى الكفر والإسلام عزيز )) . فقد ينكر هذا عليه ويقال : كيف يمدح من يستوي ميله في نظره إلى الباطل والحق ؟ ! ويجاب عن هذا بأن مقصوده أن أكثر المتكلمين يميلون إلى الإسلام بدون استيقان منهم أنه الحق ، بل عليه فألفوه واعتادوه ، ولذلك ، يرى من نشأ على اليهودية أو النصرانية أو غيرهما يميلون إلى ما نشأوا عليه مع أنه باطل في نفس الأمر .
لكني أقول : أما أئمة السنة الذين وفوا بشرط الله عز وجل من التسليم والخضوع

الصفحة 229