إلا بما أدركته عقولنا أو أكثر كشفنا، واستهزءوا بمن يأخذ دينه من النصوص وسموهم الحشوية، والغثاء، والغثر، وغير ذلك. قال الله تعالى: [فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ] المؤمن:83. وقال تعالى: [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ] الآية - البقرة: 85.
و إذا قيل لهم آمنوا بالنصوص كما آمن بها السلف الصالح قالوا أولئك أعراض أميون جفاة لا يدرون ما المعقول، قال الله تعالى: [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ] البقرة: 13. وآل بهم الزيغ إلى نسبة الكذب إلى الله تعالى ورسله، كما يجيء بالباب الأتي، فأنا يهديهم الله تعالى؟ قال سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ] النحل:104 - 105.
فالقوم خالفوا كثيراً من العقائد الإسلامية، ويوشك أن يكون حالهم فيما لم يصرحوا بمخالفته على نحو ما قال الغزالي، أي انهم لم يحافظوا على تلك البقية عن إيمان ويقين، ولكن نشأوا على الإسلام واعتزوا بالانتساب إليه فكرهوا أن يقطعوا التعلق به البتة، والعلم عند الله عز وجل.
والتحقيق عن الاستقلال بالنظر محمود، ولكن الشأن في النظر، فالنظر بحسب المأخذين السلفيين مع الوقوف عند الحد الذي حده الشرع، وامتثال ما أرشد إليه وعمل به الصحابة وتابعوهم بإحسان من اتقاء الشبهات وتجنب الاختلاف في الدين وتفريطه محمود، فالاستقلال فيه محمود، والنظر المتعمق فيه مذموم، لأنه لا يكاد يثمر إلا التشكيك في الحقائق، والاختلاف في الدين وتفريقه، ويوشك أن يكون الحرص على الاستقلال بالنظر فيه من أمضى أسلحة الشيطان، فأنه قد يحصل للإنسان الإيمان واليقين بالقضايا الفطرية والواضحة من المأخذ السلفي الأول، وبما ذكر الغزالي من اجتماع قضايا كثيرة ظنية يحصل اليقين بمجموعها ومن قذف الله عز وجل في القلب، ثم يعرض له في النظر المتعمق فيه شبهة أو أكثر تخالف ذلك اليقين، وذاك الإيمان، فيتعذر عليه حلها، فيدعوه حب الاستقلال بالنظر إلى إتباعها