كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

و ترك ذاك اليقين ، وذاك الإيمان متهماً نفسه لأن ثقتها ببطلان تلك الشبهة إنما هو لهواها في الإسلام ، فمثله مثل القاضي يتباعد عن هواه فيظلم أخاه كما مر في المقدمة .
بل أقول : أن الاستقلال بالنظر على الحقيقة هو ترك النظر المتعمق فيه رأساً فيما يتعلق بالإلهيات ، أو على الأقل ترك الاعتداد بما خالف المأخذين السلفيين منه كما يتضح لمن تدبر ما تقدم وما يأتي .
وقد أبلغ الله تبارك وتعالى في إقامة الحجة على اختلال النظر المتعمق في الإلهيات بأن يسر لبعض أكابر النظار المشهورين بالاستقلال أن يرجعوا قبيل موتهم إلى تمني الحال التي عليها عامة المسلمين ، فمنهم الشيخ أبو الحسن الأشعري ، وأبوا المعالي ابن الجويني الملقب إمام الحرمين ، وتلميذه الغزالي ، والفخر الرازي .
أما الأشعري أولاً كان معتزلياً ، ثم فارق المعتزلة وخالفهم في مسائل وبقي على التعمق ، ثم رجع أخيراً كما يظهر من كتابه ( الإبانة ) إلى مذهب أصحاب الحديث ، وكتابه ( الإبانة ) مشهور ، وقد طبع مراراً ، والأشعرية لا يكادون يلتفتون إليه .
وأما ابن الجويني فصح عنه انه قال في مرض موته : (( لقد قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها ، وعلومه الطاهرة ، وركبت البحر الخضم ، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنها ، كل ذلك في طلب الحق وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد ، والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق ، (( عليكم بدين العجائز )) ، (1) فإن لم يدركني الحق بلطف بره فأموت على دين العجائز ، وتختم عاقبة أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق ، وكلمة الإخلاص : لا إله إلا الله ، فالويل لأبن الجويني )) وقال : (( أشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف ، وأني أموت على ما يموت عجائز
__________
(1) يشير ابن الجويني إلى أنه حديث ، وقد صرح الغزالي في (( الإحياء )) بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن الصواب أنه لا أصل له عنت النبي صلى الله عليه وسلم ، كما صرح له أئمة الحديث ، نعم في معناه حديث روي عن ابن عمر ، ولكنه موضوع ، وقد بينت ذلك في (( الأحاديث الضعيفة )) رقم ( 53 و54 ) . وحال الجويني والغزالي في الحديث معروفة عند أهل العلم ، ويأتي رأي المصنف فيهما قريباً . ن

الصفحة 232