و مما ذكره أنه أولاً يشك في صحة الحسيات والبديهيات ثم زال ذلك ، قال : (( ولم يكن ذاك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور ... ولما كفاني الله تعالى هذا المرض انحصرت أنصاف الطالبين عندي في أربع فرق ، المتكلمون ... . والباطنية ... . والفلاسفة ... . والصوفية ... . فقلت في نفسي الحق لا يعدوا هذه الأنصاف الأربعة ، فهؤلاء السالكون سبيل طلب الحق ، عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع ... . فابتدأت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هؤلاء الفرق )) . ثم ذكر أنه ابتدأ بتحصيل الكلام فحصله وعقله وصنف فيه ، قال : (( فلم يكن الكلام في حقي كافياً ، ولا لدائي الذي أشكوه شافيا ... . فلم يحصل فيه ما يمحوا بالكلية ظلمات الحيرة )) ثم ذكر تحصيله الفلسفة والتبحر فيها ثم قال : (( علمت أن ذلك أيضاً غير وافي بكمال الغرض فإن العقل ليس مستقلاً بالإحاطة بجميع المطالب ، ولا كاشفاً للغطاء عن جميع المعضلات )) ثم ذكر الباطنية إلى أن قال : (( فهؤلاء أيضاً جربناهم وسبرنا باطنهم وظاهرهم )) . وذكر أنه لم يجد مطلوبه عندهم ، قال : (( ثم أني لما فرغت من هذه أقبلت على طريق الصوفية ... . )) فذكر وأطال في إطرائها على عادته في إطراء ما يحصل كما أطرى الفلاسفة أولاً فقال : إن من لا يعرف المنطق لا ثقة له بعلمه ، ولأنه كان يرى أن التصوف آخر ما يمكنه ، فلم يكن له بد من محاولة إقناع نفسه به .
ثم صار كلامه في كتبه تردداً بين هذه الطرق ، وكثيراً ما يختلف كلامه في القضية الواحدة ، يوافق هذه الفرقة في موضع ، ويخالفها في آخر ، حتى ضرب له ابن رشد مثلاً قول عمران بن حطان :
يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمن
... وإن لقيت معدياً فعدناني
و ذلك يدل على أن إحاطته بتلك الطرق لم تحصل مقصودة من الخروج عن الحيرة ، بل أوقعته في التذبذب ، وكان ذلك مما بعثه على الرجوع في آخر عمره إلى ما كان أولاً يرغب عنه ، ويرى أنه لا شيء فيه ، فأقبل على حفظ القرآن ، وسماع ( الصحيحين ) فيقال أنه مات و( صحيح البخاري ) على صدره ، لكن لم يمتع بعمره حتى يظهر أثر ذلك في تصنيفه . والله أعلم .