فيها أنبياءه على العقائد الباطلة وقررها في كتبه وعلى السنة رسله وثبتها وأكدها وزادهم عليها أضعافها مما هو - في زعم هؤلاء - باطل!!
فهل هذا هو الذب عن الإسلام وعقائده الذي يمتن به عليه أولئك الخائضون؟!
فصل
و أما المأخذ الخلفي الثاني وهو الكشف التصوفي، فقد مضى القرن الأول ولا يعرف المسلمون للتصوف إسماً ولا رسماً، خلا أنه كان منهم أفراد صادقون الحب لله تعالى، والخشية له يحافظون على التقوى والورع على حسب ما ثبت في الكتاب والسنة، فقد يبلغ أحدهم أن تظهر مزيته في استجابة الله عز وجل بعض دعائه أو عنايته به على ما يقل في العادة، ويلقى الحكمة في الوعظ والنصيحة والترغيب في الخير، وإذا كان من أهل العلم، ظهرت مزيته في فهم الكتاب والسنة فقد يفهم من الآية أو الحديث معنى صحيحاً إذا سمعه العلماء وتدبروا، وجدوه حقاً ولكنهم كانوا غافلين عنه حتى نبههم ذلك العبد الصالح. ثم جاء القرن الثاني فتوغل أفراد في العبادة والعزلة وكثرة الصوم والسهر وقلة الأكل لعزة الحلال في نظرهم، فجاوزوا ما كان عليه الحال في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوقعوا في طرف من الرياضة، فظهرت على بعضهم بعض آثارها الطبيعية كالإخبار بأن فلاناً الغائب قد مات أو سيقدم وقت كذا، وأن فلاناً يضمر في نفسه كذا وما أشبه ذلك من الجزئيات القريبة (1) فكان الناس يظنون أن جميع
__________
(1) قلت: الإخبار أما في نفس الغير ليس من الجزئيات القريبة، بل هو من خصوصيات الله تبارك وتعالى، (تعلم ما في نفسي ... ) فيستحيل أن يصل إلى هذه المرتبة من يتعاطى الرياضة من مؤمن أو كافر، ونحوه الإخبار بموت الغائب، أو بقدومه، نعم هذان الأمران الأخيران ونحوهما قد يكون من وحي الشيطان الجني الذي يسترق السمع إلى الشيطان الإنسي، أو يمكنه بحكم جبلته أن يطلع على موت فلان، قبل أن يطلع عليه البعيد عنه من بني الإنسان، فيخبر به من يريد أن يضله من الإنس كهؤلاء المرتاضين الذي يتحدث عنهم المصنف رحمه الله تعالى. ومثله قدوم الغائب، ومكان الضالة ونحو ذلك، فهذه أمور ميسورة للجن، فيطلعون بعض الإنس بما لا ضلالهم (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً)، وأما الإطلاع على ما في الصدور والإخبار به فليس في طوق أحد منهم إلا بإخبار الله عز وجل من شاء من عباده الذين ارتضاهم لرسالته كما قال (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من أرتضى من رسول ... ). نعم ليس من هذا القبيل ما يلهمه الرجل الصالح، ثم يقع كما ألهم، لأنه لو سئل عنه قبل ذاك لم يستطع الجزم به، فلأنه لم يدري أمن إلهام الرحمن هو أم من وحي الشيطان؟ بخلاف النبي (قالت من أنبأك هذا قال: نبأني العليم الخبير). وليس منه أيضاً ما يتنبأ به الإنسان بفراسته وملاحظته الدقيقة التي لا يتنبه لها غيره، وقد وقع لي شخصياً من هذا النوع حوادث كثيرة لولا أنني كنت أبادر إلى الكشف عن أسبابها الطبيعية لظنها الناس كشفاً صوفياً! فمن ذلك أنني كنت يوماً في حلقة الدرس أنتظر أن يكتمل الجمع، إذ قلت لمن عن يميني - وهو حي يرزق - بعد قليل يدخل فلان - لشاب سميته. فلم يمضي سوى لحظات حتى دخل! فنظر ألي جليسي دهشاً كأنه يقول: أكشف؟ فقلت: لا بل هي الفراسة. ثم شرحت له سر المسألة، وذلك أن لشاب المشار إليه اعرف أن له دراجة عادية يأتي المكان الذي سيريد النزول عنده، وأنه عند ذاك يسمع منها صوت بعض مسنناتها، وكانت دراجة الشاب من النوع المعروف ب (السباقية)، والصوت الذي يسمع منها عند النزول أنعم من الأخريات، وكان هو الوحيد الذي يركبها من بين الذين يحضرون الدرس عادة، فلما أراد النزول، وأوقف رجليه طرق سمعي ذلك الصوت، فعرفت انه هو، وأخبرت جليسي به، فكان كذلك!
و قد أتفق لي مراراً - ويتفق مثله لغيري - أنني وأنا في صدد تقرير مسألة يقوم بعض الحاضرين يريد أن يسأل، فأشير إليه بأن يتمهل، فإذا فرغت منها قلت له: الآن فسل. فيقول: ما أردت السؤال عنه قد حصل! فأقول: أهذا هو الكشف؟! فمثل هذه الإجابة قد تقع تارة عفواً، وتارة بقصد من المدرس الذي بحكم مركزه قد ينتبه لما لا ينتبه له الحاضرون فيعرف من علامات خاصة تبدوا له من الذي يريد السؤال ما هو سؤاله فيجيبه قبل أن يسأل! فيظن أنه كثير من الناس انه كشف أو إخبار عما يضمر في نفسه - - وإنما هو الظن والفراسة، ويستغل ذلك بعض الدجالين فيلقون في نفوس مريديهم أنهم يطلعون على الضمائر، وأنهم يعلمون الغيب، فيتقبلون ذلك منهم ببساطة وسلامة قلب، حتى أن الكثير منهم لا يسافرون، ولا يأتون عملاً يهمهم، إلا بعد موافقة شيخهم عليه، فكأنه عندهم (بكل شيء عليم). والله المستعان.ن