كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

و منهم من سلم لهم أصل الإيمان لكن وقع في البدع العملية ، ومنهم من كان سلطان السلطان عليه أشد فأوقعه في أشد من ذلك كما ترى الإشارة إلى بعضه في ترجمة رياح بن عمرو القيسي من ( لسان الميزان ) . ثم صار كثير من الناس يتحرون العزلة والجوع والسهر لتحصيل تلك الآثار ، فقوي سلطان الشيطان عليهم ، ثم نقلت مقالات الأمم الأخرى ومنه الرياضة وشرح ما تثمره من قوة الإدراك والتأثير ، فضمها هواتها إلى ما سبق ، ملصقين لها بالعبادات الشرعية ، تعاطيها من الخائضين في الكلام والفلسفة ، فمنهم من تعاطاها ليروج مقالاته المنكرة بنسبتها إلى الكشف والإلهام الروحي ، ويتدرع عن الإنكار عليه بزعم أنه من أولياء الله تعالى ، ومنهم من تعاطاها على أمل أن يجد فيها حلاً للشكوك والشبهات التي أوقعه فيها التعمق في الكلام والفلسفة .
و من أول من مزج التصوف بالكلام الحارث المحاسبي ، ثم اشتد الأمر في الذين أخذوا عنه فمن بعدهم ، وكان من نتائج ذلك قضية الحلاج ، ولعله كان في أقران الحلاج من هو موافق له في الجملة ، بل لعل فيهم من هو أغل منه إلا أنهم كانوا يتكتمون ، ودعا الحلاج إلى إظهار ما أظهره حب الرياسة .
و كذلك الفارابي وابن سينا نتقاً من ذلك .
و كذلك في كلام متفلسفي المغاربة كابن باجة وغيره . وهكذا الباطنية كانوا ينتحلون التصوف ، فلما جاء الغزالي نصب منصب الكلام والفلسفة الباطنية ، وزعم أن الحق لا يعدوا هذه الأربع المقالات ، وقضى ظاهراً للتصوف مع ذكره كفيره أن طائفة من المتصوفة ذهبوا إلى الأباحة المحضنة ، وفي ذلك نبذ الشرائع البتة ، ثم لم يزل الأمر يشتد حتى جاء ابن عربي وابن سبعين التلمساني ، ومقالاتهم معروفة ، ومن تتبع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأئمة التابعين ، وما يصرح به الكتاب والسنة وآثار السلف ، وأنعم النظر في ذلك ، ثم قارن ذلك بمقالات هؤلاء القوم علم يقيناً أنه لا يمكنه إن لم يغالط نفسه

الصفحة 240