كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

أن يصدق الشرع ويصدقهم معاً، وإن غالط نفسه وغالطته ، فالتكذيب ثابت في قرارها ولابد .
هذا والشرع يقضي بأن الكشف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين ، ففي ( صحيح البخاري ) من حديث أبي هريرة (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قالوا / وما المبشرات ؟ قال : الرؤيا الصالحة )) .
و ورد نحوه من حديث جماعة من الصحابة ذكر في ( فتح الباري ) منها حديث ابن عباس عند مسلم وغيره ، وحديث أم كرز عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان ، وحديث حذيفة بن أسيد عند أحمد والطبراني ، وحديث عائشة عند أحمد ، وحديث أنس عند أبي يعلي . (1)
و فيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا ، اللهم إلا يكون بقي ما هو دون الرؤيا فلم يعتد به ، فدل ذلك أن التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا ، والسر في ذلك أن الغيب على مراتب .
الأولى : ما لا يعلمه إلا الله ، ولم يعلم به أحداً أو أعلم به بعض ملائكته .
الثانية : ما قد علمه غير الملائكة من الخلق .
الثالثة : ما عليه قرائن ودلائل إذا تنبه لها الإنسان عرفه كما ترى أمثلة ذلك فيما يحكى من زكن إياس والشافعي وغيرهما ، فالرؤيا قد تتعلق بما هو من المرتبة الأولى لكن الحديثيقضي أنه لم يبق منها إلا ما كان على وجه التبشير فقط وفي معناه التحذير ، والفراسة تتعلق بالمرتبة الثالثة ، وبقية الأمور بالمرتبة الثانية ، وإنما الفرق بينها والله أعلم أن التحديث والإلهام من إلقاء الملك في الخاطر ، والكهانة من إلقاء الشيطان ، والكشف قوة طبيعية غريبة كما يسمى في هذا العصر قراءة الأفكار .
نعم قد يقال : أن الرياضة قد تؤهل صاحبها لأن يقع له في يقظته ما يقع له في نومه فيكون الكشف ضرباً من الرؤيا .
__________
(1) قلت : قد خرجتها وغيرها في (( إرواء الغليل )) ( 2539 ) ، وبعضها في الأحاديث الصحيحة )) ( 468 ) ن .

الصفحة 241