الحديث من رواية جماعة آخرين من الصحابة . فإطلاق الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام على تلك الكلمات (( كذبات )) يدفع أن تكون من المعاريض التي لا راحة للكذب فيها . ويؤكده أن نبينا كان شديدا التقير لأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، وصح عنه أنه قال : (( نحن أولى بالشك من إبراهيم ... )) وقال له رجل : يا خير البرية ، فقال : (( ذاك إبراهيم )) فكيف يظن به أن يقول : (( لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات )) وه يعلم أنها ليس من الكذب في شئ ، مع أنه تحرى في هذا الحديث الثناء على إبراهيم فبين أنه لم يقع منه كذب إلا تلك الثلاث ثم قال : (( ثنتين منهم في ذات الله عز وجل ، وقوله : [ إِنِّي سَقِيمٌ ] وقوله : [ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ] ، وقال : بينا هو ذات يوم وسارة ( يعني امرأته ) إذ أتي على جبار من الجبابرة ... . )) .
فإن قيل : قد يكون الكلام من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقول النابغة :
و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
قلت : إنما يحسن مثل هذا حيث يكون المستثنى واضح من المستثنى منه ، وليس الأمر هنا كذلك ، وقد سماها في الحديث الآخر (( خطايا )) ونظمها في سلك أكل آدم من الشجرة وقتل موسى للنفس ، وحكم إبراهيم بأنها تقصر به عن مقام الشفاعة ، وتتقضى إستحياءه من ربه لأجلها فالجواب عن تلك الكلمات بأنها ليس بكذب كما ترى .
و ثم وجب آخر وهو أن تلك الكلمات وقعت من إبراهيم عليه السلام قبل نبوته ، وكما أن قتل موسى للنفس كذلك فقد قص الله تعالى عنه أنه ذُكر بتلك الفعلة فقال : [ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ . فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ] الشعراء: 20-21 .
و قريب من ذلك حال آدم ، فإن أكله من الشجرة كان في الجنة قبل النبوة المعتادة .و قد قال الله تعالى في القصة التي ذكر فيها قول إبراهيم : [ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ] ، وهي إحدى الكلمات : [ قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ... قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ] الأنبياء : 59 – 63 .