كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

و الكلمة الثانية وهي قوله : [ إِنِّي سَقِيمٌ ] ، كانت قبل ذلك .
فأما الثالثة وهي قوله : (( هي أختي )) فالظاهر والله أعلم أنها بعد ذلك ، ولكن في سياق القصة ما قد يشعر بأنها كانت قبل النبوة ، فإطلاقهم عليه (( فتى )) ظاهر في أنه يومئذ لم يبلغ أربعين سنة ، فإن الفتى هو الشاب الحدث كما في ( المصباح ) ، وقد صرح كثير من أهل العلم أن الأنبياء إنما نبئوا بعد بلوغ كل منهم أربعين سنة كما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام ، ز جزم به القاضي أبو بكر ابن العربي وآخرون ، وتاولوا ما في قصتي يحيى وعيسى ، وقال قوم : إن ذلك هو الغالب .
فإن قيل : فإن اثنتين من تلك الكلمات وقعتا في صدد دعوته قومه إلى التوحيد ، والثالثة يظهر أنها بعد ذلك ، فكيف يدعو قبل النبوة ؟
قلت : قد كان هداه الله تعالى من صباه بتوجيه نظره إلى الآيات الكونية ، قال الله عز وجل: [ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ] . ثم ذكر القمر والشمس [ فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ... ] الأنعام : 75 - 80 .
فكان يحاج قومه بما هداه الله إليه بنظره .
فإن قيل : لو كانت تلك الثلاث قبل النبوة لذكر معها قوله : هذا ربي ، فإن هذه أشد .
قلت : قد ذكر في بعض الروايات لكن قيل إنه خطأ من الرواي . وعلى هذا فقد يقال إنما تذكر تلك الكلمة لأنها كانت في الطفولة فيما قاله بعض أهل العلم وتلك الثلاث كانت بعد البلوغ. وفي هذا نظر ، فإن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات )) يعم الطفولة . وقد يقال : إنما لم يذكرها لأن إبراهيم لم يرد بها الإخبار ، وإنما أراد الاستفهام الإنكاري . وهذا القول حكاه ابن جرير عن بعض أهل النظر ، ورده ، وروي عن ابن عباس ما ينص على أن الكلام على الإخبار وأن إبراهيم فعل ما يوافق ذلك ، ولم يذكر عن أحد من السلف خلافه ، ومع هذا فمن مال إلى هذا التأويل من أهل النظر

الصفحة 250