كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

وجّهوه بأن إبراهيم أراد في نفسه الاستفهام ، وأراد في الظاهر إيهام قومه أنه موافق لهم ليكون ذلك أقرب إلى جرهم إلى الحق ، وعلى هذا فهذه الكلمة أشد من تلك الثلاث ، والحديث السابق يأبى ذلك كما مر .
فإن قيل : أفليس الأنبياء معصومين عن الكفر مطلقاً ؟
قلت : ليس هذا بكفر في حكم الشرع ، فإن إبراهيم عليه السلام قال ذلك قبل أن تعرض عليه ، فضلاً عن أن تقوم عليه حجة بنظر ولا غيره وهو حريص على معرفة الحق ، باذل وسعه في تحصيلها ، صادق العزم على اتباع الحق على كل حال ، ليس في نفسه شائبة هوى في غير الحق ، فإن كان ذلك في الطفولة كان الأمر أوضح .
فإن قيل : فعلى هذا أيضاً يبقى الإشكال بحاله أو أشد فإن قوله : (( هذا ربي )) يكون خبراً مخالفاً للواقع ظاهراً وباطناً ، وتلك الثلاث إن كان الخبر فيها مخالفاً الواقع فظاهراً فقط .
قلت : تلك الثلاث كانت عمداً أي أن إبراهيم كان يعلم أن الظاهر غير واقع ، وأم قوله : (( هذا ربي )) فخطأ محض غير مؤاخذ به (1) . والمتبادر من قولهم (( لم يكذب فلان ))نفي أن يكون وقع منه إخبار بخلاف الواقع يلام عليه ، وفي ( صحيح مسلم ) في أحاديث البكاء على الميت (( فقالت عائشة : يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ، ولكنه نسي أو أخطأ )) وفي رواية (( قالت : إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ )) . وقولهم : (( كذب فلان )) المتبادر منه أنه تعمد أو أخطأ خطأ حقه أن يلام عليه ، ومن ذلك حديث (( كذب أبو السنابل )) وقول عبادة : (( كذب أبو محمد )) وقول ابن عباس : (( كذب نوف )) وما أشبه ذلك ، والكذب لغة هو مخالفة الخبر – أي
__________
(1) هذا هو الجواب عن عدم ذكرها مع الثلاث ، ثم ظهر لي جواب آخر ، وهو أن قوله (( هذا ربي )) لم يكن إخباراً منه لغيره بل لعله لم يكن عنده أحد وإنما قال ذلك على وجه الاعتراف كالمخاطب لنفسه ، وجواب ثالث وهو أن القرائن تدل أنه إنما بنى على ظنه فكأنه قال : (( أظن هذا ربي )) ومن ظن أمراً فأخبر بأنه يظنه فهو صادق وإن أخطأ ظنه كما مر ويأتي إيضاحه . المؤلف

الصفحة 251