عن ناجية بن كعب قال : (( قال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب الذي جئت به )) . وفي رواية : (( ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به )) . وفي ( تفسير ابن جرير ) وغيره عن السدي قصة وقعت قبيل بدر وفيها : (( فخلا الأخنس بأبي جهل فقال : يا أبا الحكم ... . فقال أبو جهل : ويحك ، والله أن محمداً لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش . )) .
و أما بعد النبوة فالأمر أوضح ، فمن المشركين من كان مرتاباً فيما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومنهم من استيقنت نفسه ولكنهم عاندوا ، وكلا الفريقين عرفوا من حاله - صلى الله عليه وسلم - سابقاً ولاحقاً أنه لا مجال لاحتمال تعمده الكذب ، وأن اتهامه بذلك مكابرة مفضوحة إلى حد أنهم رأوا أن أقرب منها أن يقولوا : مجنون ، مع علمهم وعلم كل من عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أعقل الناس .
و في ( المستدرك ) ج 3 ص 45 وغيره في قصة أبن أبي سرج لما جيء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليبايعه (( فرفع رأيه منظر إليه ثلاثاً [ ثم بايعه ] ثم أقبل على أصحابه فقال : أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟ فقالوا : ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أو مأت إلينا بعينك ؟ فقال : إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين )) . (1) وجاءت قصة أخرى في رجل من المشركين كان شديداً على المسلمين فنذر أحدهم قتله ، ثم جاء المشرك ليسلم ، فكف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مبايعته مراراً ، ثم بايعه ، فقال الناذر : أني نذرت ... . القصة ، وفيها أيضاً : (( أنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين )) .
فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب قتل الرجلين إما لأنه قد سبق منهما من شدة الكفر
__________
(1) قلت : قال الحاكم عقبة (( صحيح على شرط مسلم )) . ووافقه الذهبي . قلت : وفيه أحمد بن المفضل وهو صدوق في حفظه شيء . عن أسباط بن نصر ، وهو صدوق كثير الخطأ ، كما في (( التقريب )) . وهما من رجال (( الميزان )) للذهبي ، والآخر من (( الضعفاء )) له . ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود أيضاً ( 2683 و4359 ) والنسائي ( 2 / 170 ) وإلى هذا وحده عزاه الحافظ في (( الفتح )) ( 6 / 120 ) وسكت عليه ، وما بين المعكوفين ، إنما وضعه المصنف بينهما إشارة ألا أنها ليست في (( المستدرك )) ، وإنما هي عند من ذكرنا بلفظ (( فبايعه )) . ن