و الإسراف ما أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينالهما عاقبه في الدنيا والآخرة كما قص الله تعالى من دعاء موسى وهارون على آل فرعون : [ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ] يونس : 88 .
و أما لمعنى آخر يعلم بالتدبر وكأنه ألطف من هذا . فقد أحب - صلى الله عليه وسلم - قتل الرجلين ، لكن كره أن يصرح بالأمر يذلك في تلك الحال لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل من جاءه تائباً ، فأما إذا قتلا بدون أمر جديد منه فإنه يقال : إنهما قتلا بدون أمره ، وكره أن يومض لأن الإيماض من شعار أهل الغدر لا ينبغي للأنبياء .
أقول : فإذا لم ينبغي للأنبياء الإيماض في الحق لأنه في الجملة من شعار أهل الغدر فكيف ينبغي لهم (1) الكذب وهو نفسه قبيح مذموم ؟ !
و قال ابن حجر في ( الفتح ) (( باب الكذب في الحرب )) : (( قال النووي : الظاهر إباحة الكذب حقيقة في الأمور الثلاثة ، لكن التعريض أولى ... ولا يعارض ذلك ما أخرجه النسائي ... في قصة عبد الله بن سعيد بن أبي سرح ... )) ثم قال ابن حجر : (( والجواب المستقيم أن نقول : المنع مطلقاً من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يتعاطى شيئاً من ذلك وإن كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها ، فإن المراد أنه كان يريد أمراً فلا يظهره ، كأن يريد أن يغزو وجهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة الغرب ويتجهز للسفر ... )) .
أقول : كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد غزوة شرع في التجهيز وأمر أصحابه بذلك ، فقد تكون هناك قرينة تشعر بالجهة التي يريد ، وقد يكون هناك جاسوس لأهل تلك الجهة ، فإذا رأى التجهز وعرف تلك القرينة أسرع فأنذرهم فتحرزوا ، فكان النبي صلى الله عليه
__________
(1) كذا الأصل ولا غبار عليه في الأسلوب العربي : ففي القرآن : ( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) وفيه ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) . أي لا يجوز ، فلا أدري ما الذي ما الذي بدأ لفضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق من هذه الكلمة (( ينغى لهم )) حتى كتب في الأصل فوقها كالمصحح لها (( يجوز عليهم )) مع أن المعنى واحد ، واللفظ على الأسلوب القرآني فهو أفصح . ن