كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

و آله وسلم يقول ما يدافع تلك القرينة ليلتبس الأمر على الجاسوس ، فأما أن يتأخر ليعرف الحال فيسبقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وإما أن يرجع إلى جهته فيخبرهم بأمر محتمل فلا يقوى الباعث لهم على التحرز . فإن التوريه تحصل بهذا وليس من لازمها أن يكون ما يقوله صلى الله عليه وآله وسلم ظاهراً في غير ما في نفسه .
و اختصاص النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون أفراد أمته بوجوب تنزهه عن كل ما يقال إنه كذب حكم معقول المعنى ، لأن وقوع مثل ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم لا ينفعك عن احتمال ترتب المفاسد عليه .
منها أنه لو ترخص في بعض المواضع لكان ذلك حاملاً على اتهامه في الجملة فيجر ذلك إلى ما عدى ذاك الموضع ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم مبلغ عن الله فوجب أن لا يكون منه ما قد يدعو إلى اتهامه ولو في الجملة .
و منها أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل منذ بعثه الله تعالى محارباً أو في معنى المحارب فلو وقع منه شئ مما يقال إنه كذب في الحرب لجر ذلك إلى الارتياب في كثير من أخباره ، إذ يقال : لعله كايد بها المشركين ، لعله ، لعله .
و منها أن الناس يقيسون فيقولون إنما ساغ ذلك في الحرب للمصلحة ، فينبغي أن تكون هي المدار فيسوغ مثل ذلك للمصلحة ولو في غير الحرب فيرتابون في أكثر أخباره صلى الله عليه وآله وسلم حتى في الدين .
و منها أنه فتح باب للمحدثين ولكل من غلبه هواه ، ولا يشاء أحدهم أن يندفع نصاً من النصوص النبوية إلا قال : إنما كان للمصلحة في عصره صلى الله عليه وآله وسلم . وهلم جراً ، فيصبح الدين ألعوبة كما وقع فيه الباطنية .
إلى غير ذلك من المفاسد التي تكون صغراها أكبر جداً من جميع المفاسد التي كانت تعرض في حروبه صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان يمكنه أن يدفعها ببعض ما يقال : أنه كذب . فوجب أن تكون كلماته كلها حقاً وصدقاً .
فأما الخطأ فلا ريب أن الأنبياء قد يخطئ ظنهم في أمور الدنيا ، وأنهم يحتاجون إلى

الصفحة 257