كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

الأخبار بحسب ظنهم ، لكنهم إذا احتاجوا إلى ذلك فإنما يخبر أحدهم بأنه يظن وذلك – كما تقدم – صدق، وحتى على فرض خطأ الظن ، فمن ذلك ما جاء في قصة تأبير النخل ، نشأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة وليست بأرض نخل ، ورأى عامة الأشجار تثمر ويصلح ثمرها بغير تلقيح ، فلا غرو ظن أن الشجر كلها كذلك ، فلما ورد المدينة مر على قوم يؤبرون نخلاً ، فسأل فأخبروه فأخبروه ، فقال : (( ما أظن يغنى ذلك شيئاً )) وفي رواية (( لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً )) فتركوه ، فلم يصلح ، فبلغه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : (( إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ، فإني لن أكذب على الله )) .
و في رواية (( إنما أنا بشر أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشئ من رأي فإنما أن بشر . أو كما قال )) أخرج مسلم الرواية الأولى من حديث طلحة بن عبيد الله ، والثانية من حديث رافع بن خديج ، ثم أخرج من طريق حماد بي سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة ، وعن ثابت عن أنس القصة مختصرة وفيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( لو لم تفعلوا لصلح )) وحماد على فضله كان يخطئ فالصواب ما في الروايتين الأوليين . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله )) و(( إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به )) واضح الدلالة على عصمته - صلى الله عليه وسلم - من الكذب خطأ فيما يخبر به عن الله وأمر الدين .
و من ذلك قسصة ذي اليدين : سلم - صلى الله عليه وسلم - في الظهر أو العصر من ركعتين فقام إليه ذو اليدين فقال : أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت ؟ فقال : كل ذلك لم يكن ، فقال ذو اليدين " بل يعض ذلك قد كان ، فسأل - صلى الله عليه وسلم - الناس فصدقوا ذا اليدين ، فقم فأتم بهم الصلاة . فقوله : (( كل ذلك لم يكن )) يتضمن خبرين :
الأول : عن الدين وهو أن الصلاة لم تقصر ، وهو حق .
و الثاني : عن شأن نفسه ، وهو أنه لم ينس ، والواقع أنه كان قد نسي .

الصفحة 258