كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

و القرائن واضحة في أنه اعتمد في الخبر الثاني على ظنه ، فهو في قوة قوله : (( لم أنس فيما رأى )) .
و مما يدخل في هذا ما جاء في رضاع الغيل ، (1) ففي ( صحيح مسلم ) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : لو كان ذلك ضاراً لأضر فارس والروم )) ، وفيه من حديث جذامة (2) )بنت وهب مرفوعاً : (( بقد همت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم ، فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً )) .
و في ( سنن أبي داود ) : (( حدثنا أبو توبة نا محمد بن مهاجر عن أبيه عن أسماء بنت يزيد ابن السكن قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا تقتلوا أولادكم سراً فان الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه )) . أبو توبة ومحمد بن مهاجر من رجال ( الصحيح ) ، ومهاجر روى عن جماعة وذكره ابن حبان في ( الثقات ) . (3) فالله أعلم .
__________
(1) الغيل وطء المرضع ، فربما حملت من هذا الوطء فيفسد لبنها فيضر ذلك برضيعها ، فكان العرب يتجنبون ذلك محافظة على صحة أولادهم اثناء رضاعهم ، وهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه جرياً على تجارب العرب ولكنه رجع عن ذلك لفعل الروم وعدم ضرره لهم . م ع
(2) كذا الأصل بالذال المعجمة ، وهو رواية لمسلم ، وفي أخرى له : (( جذامة )) بالدال المهملة ، قال مسلم : (( وهو الصحيح )) . قال الدارقطني : (( هي بالجيم والدال المهملة ، ومن ذكرها بالذال المعجمة فقد صحف )) . وعلى الصواب ، وقع فيما يأتي بع سطور ، وبالذال أيضاً ، فكان المصنف ذكره على الروايتين ، مشيراً إلى أنه لم يترجح عنده الصواب منهما . ن
(3) قلت وهو معروف بتساهله في التوثيق كما سبق بيانه من المؤلف ومنا ج 1 ص 436 – 438 ، ولم نر أحداً قد وافقه على توثيقه ، بل إن أبي حاتم لما أورد في كتابه ( 4 / 1 / 261 ) سكت عنه ، مشيراً بذلك إلى أنه غير معروف عنده، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في تعليقنا ص 436 ولذلك لم يعتمد توثيقه الحافظ بن حجر ، فقال في (( التقريب )) : (( مقبول )) . يعني عن المتابعة ، وإلا فلين الحديث ، كما نص على ذلك في المقدمة . ولذلك ، فإن القلب لا يطمئن لصحة هذا الحديث ، وقد أشار إلى تضعيفه العلامة ابن القيم في (( تهذيب السنن ) بقوله ( 5 /362 ) :
... (( فان كان صحيحاً فيكون النهي عن ( الغيل ) أولاً إرشاداً وكراهة ، ولا تحريما )) .
قلت : وهذا التأويل وإن كان بعيداً عن ظاهر حديث أسماء كما بينه المصنف ، فالمصير إليه واجب لحديث عبد الله ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الاغتيال ، ثم قال : لو ضر أحداً لضر فارس والروم .
قال الهيثمي في (( المجمع )) ( 4 /298 ) : (( رواه الطبراني والبزار ورجاله رجال الصحيح )) .
قلت : وكذلك رواه بن أبي حاتم في (( العلل )) ( 1 / 401 ) لكنه قال عن أبيه : (( الصحيح مرسل )) لكن له شاهد من شاهد من حديث أبي هريرة مثله . رواه الطبراني في (( الأوسط )) ، وفيه ليث بن حماد وهو ضعيف .

الصفحة 259