النظر في المقصد الأول
المتكلم : النصوص التي نوافق على بطلان ظواهرها لا نسلم أنها في تلك المعاني صريحة صراحة مطلقة أو ظاهرة ظهوراً مطلقاً ، كيف والقرينة قائمة على صرفها عنها ، وهي العقل والإشارات التي ذكرت في المقصد الثالث .
الناقد : أما العقل فقد زعم ابن سينا كما مر أن عقول الجمهور ومنهم المخاطبون الأولون موافقة لتلك المعاني ، فإن منعت هذا فنؤجل البحث فيه إلى المقصد الرابع ، وإن سلمته بطلت دعواك هنا ، فإن قانون الكلام أن تكون القرينة كاسمها مقترنة بالخطاب في ذهن المخاطب أو بحيث إذا تدبر عرفها وعرف صرفها عن الظاهر ، إذ المقصود عن نصب القرينة أن يكون الخبر صدقاً من حقه أن لا يفهم المخاطب منه خلاف الواقع ما لم يقصر . وإذا كانت عقول الجمهور ومنهم المخاطبون الأولون توافق تلك الظواهر وتجزم بوجوبها عقلاً أو جوازاً أو لا تشعر بامتناعها فكيف يعتد عليهم بما قدر يدركه المتعمق في النظر بعد جهد جهيد ، مع العلم بأنهم لم يعرفوا التعمق في النظر ولا خالطوا متعمقاً بل نهاهم الشرع عن ذلك ، وهل هذا إلا كما لو غزا جماعة إلى أرض بعيدة ثم عادوا بعد مدة دون واحد فسئلوا عنه فأخبروه بأنه قتل فحزن أهله ثم قسموا تركته واعتدت نساؤه وتزوجن إلى غير ذلك ، ثم قدم رجل فزعم أنه رأى ذلك الذي قيل انه قتل ، رآه بعد خبر القتل بمدة في الثغر حياً صحيحاً ، فافرض أنه ذكر ذلك للمخبرين بالقتل فصدقوا هذا المخبر الأخير واعتذروا عن أخبارهم بالقتل بأنهم أرادوا بذاك الخبر خلاف ظاهره ، فقيل لهم : فهلا نصبتم قرينة ؟ فقالوا : كان الرجل حال خبرنا حياً صحيحاً سالماً وكفى بذلك قرينة ! فهل يقبل منهم هذا العذر ؟ أولا يرده عليهم العقلاء قائلين : ذاك لو كانت حياته وصحته وسلامته بحيث يدركها المخاطبون وهم أهله عند إخباركم لهم .
فأما وهم لا يعلمون ذلك ولا يدركونه لبعده عنهم بمراحل كثيرة فليس هذا بقرينة ، إذ