ليس من شأن العلم به أن يقترن عند المخاطب بالخطاب فيصرفه عن فهم الظاهر (1) ).
أما تلك الإشارات ففي المقصد الثالث أنها ليست بالبينة ، فإذاً لا تصلح أن تكون صارفة عن معاني النصوص الكثيرة الظاهرة أو الصريحة الموافقة لعقول المخاطبين ، بل يكون الأمر بالعكس وهو أن عقولهم وتلك النصوص الكثيرة تصرف عما قد يظهر من تلك الإشارات فإن كنت تزعم أن تلك الإشارات صريحة فنؤجل الكلام إلى المقصد الثالث .
المتكلم : إنما يصح الأخذ بظاهر الخبر إذا علم أن ذلك الأمر المخبر بوقوعه غير ممتنع عقلاً ، فأما إذا احتمل أن يكون ممتنعاً عقلاً فإنه يجب التوقف ، ويكون هذا الاحتمال قرينه تدافع ظاهر الخبر ، فتوجب التوقف فيه .
الناقد : في المقصد الرابع أن معاني تلك النصوص كانت موافقة لعقول المخاطبين، فإن سلمت ذلك سقط كلامك هنا لثبوت أنها لم تكن عندهم محتملة للامتناع ، فعلى فرض أن احتمل الامتناع يعد قرينة فلم يكن حاصلاً لهم ، فكيف يعتد عليهم به ؟ وقد مر الكلام في هذا ، وإن لم يسلم فينظر فيه في المقصد الرابع .
المتكلم : لم يكن القوم ماهرين في علوم المعقول فلا يعتد بإدراك عقولهم الوجوب أو الجواز ، بل يبقى الحكم في حقهم الاحتمال ، فإن لم يشعروا بقصورهم القاضي عليهم بالتوقف فقد قصروا .
السلفي : كيف لا تعتد بعقولهم وقد اعتد بها رب العالمين فأرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وأمرهم بالظر والتفكر والاعتبار والتدبر ، وقبل إيمان من آمن منهم وأثنى عليهم ، نقم كفر من كفر منهم وعاقبه عليه ؟ ! وقد مر في صدر هذه الرسالة ما فيه الكفاية .
المتكلم : فدع هذا ، ولكن لي نظر في دعوى أن عقولهم كانت موافقة لتك المعاني .
الناقد : فيأتي الكلام في المقصد الرابع .
__________
(1) وفي (( صحيح مسلم )) وغيره حديث (( يمينك على ما يصدقك به صاحبك )) وهذا صريح في أن إضمار المتكلم في نفسه معنى غير المعنى الذي حقه أن يفهمه المخاطب لا يغني عن المتكلم شياً إذا كان المعنى الذي حقه أن يفهمه المخاطب غير واقع . المؤلف