كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

و تفسير هذا أنه إن كان ينبغي التوقف عن حمل الخبر على ظاهره فيما إذا احتمل أن يكون ذاك الظاهر ممتنعاً لذاته، فكذلك فيما إذا احتمل أن يكون ممتنعاً لثبوت نقيضه، حتى لو كنت قد علمت أن زيداً في بيته فأخبر بأنه خرج منه فإن خروجه ذلك يحتمل أن يكون ممتنعاً عقلاً لثبوت نقيضه إذا يحتمل أنه لم يخرج من بعد أن عهدته فيه، وإذا كان لم يخرج فمن الممتنع عقلاً أن يكون خرج.
المتكلم: إنما فرقنا بين النوعين لأنه قد لا يحتمل في الأول أن يقوم بعد وقت الخطاب ولو بمدة طويلة دليل على أن ذاك الظاهر ممتنع عقلاً، فيجب حينئذ صرف الخبر عن ظاهره أو الاعتراف بأن المتكلم به غير معصوم.
السلفي: إن ساغ هذا الاحتمال في الأول ساغ في الثاني، فيحتمل فيما أخبر النص بأنه وقع أو سيقع في وقت كذا أن يقوم فيما يأتي دليل خلاف ذلك. فليس هناك إلا سبيلان:
الأولى: سبيل المؤمنين أنه يستحيل عقلاً أن يكون المتكلم بالقرآن أو من النبي عليه الصلاة والسلام فيما يخبر به ربه جهل أو غلط أو كذب أو تلبيس، ففرض أن يقوم دليل قاطع على خلاف النص الثابت قطعاً، أو الظاهر قطعاً ز لا قرينة معه قطعاً، فرض للمستحيل.
الثانية: سبيل ابن سينا ومن وافقه من تجويز الجهل والغلط، أو الكذب والتلبيس [وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] الكهف: 29.
المتكلم: وهل كلامنا إلا في القطع؟ فهب أن احتمال الامتناع العقلي لا يصلح أن يكون قرينة فمن أين يأتي القطع؟ ومن المحتمل أن يخطئ الناظر الناظر فيعتقد أن الحديث ثابت، وليس بثابت، أو يعتقد صراحة الآية أو الحديث الثابت فيما فهمه، وليس كذلك، أو يعتقد ظهور ما ليس بظاهر، أو يعتقد انتفاء القرينة وهناك قرينة غفل عنها.
السلفي: سيأتي إثبات حصول القطع في الكلام مع الرازي والعضد، فأما الخطأ، فالخطأ في الباب إنما يكون في الظن، وليس كالنظر العقلي المتعمق الذي يكثر فيه الغموض والاشتباه والقطع بالباطل كما مر في الباب الأول، والنظر في النصوص على وجه

الصفحة 268