(( من المعلوم البين أن علم العباد وقدرتهم ليسا مثل علم الله عز وجل وقدرته جل وعلا – أي ليس سادين مسدهما )) .
أقول : قد تؤخذ المماثلة في مطلق العالمية والقادرية ونحو ذلك . فإن قيل ذاك أمر لا يلتفت إليه ، إذ ليس الواقع إلا قدرة ذاتية تامة لله عز وجل ، وقدرة مستفادة ناقصة للعبد – وهكذا .
قلت : فهذا المعنى أيضاً غير مناف لشئ من تلك الظواهر .
تحقيق معنى الآية
من تتبع موارد استعمال نفي المثل في الكتاب والسنة وكلام البلغاء علم أنه إنما يراد به نفي المكافئ فيما يراد إثباته من فضل أو غيره ، فمن ذلك قول الشاعر :
ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يدانيه في الفضائل
و قول الآخر :
سعد بن زيد إذا أبصرت جمعهم ... ما إن كمثلهم في الناس من أحد
و قال الله عز وجل : [ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ] . الاسراء : 88 .
و قال تعالى : [ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ] الفجر :6 – 8 .
أي – والله أعلم – في قوة الأجسام كما يومئ آيه السياق وآيات أخرى .
و قال سبحانه : [)هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ] خاتمة سورة ( محمد ) أي في الولي والبخل . وفي حديث أبي أمامة في ( المسند ) وغيره أنه قال يا رسول الله مرني بعمل . فقام : عليك بالصوم فإنه لا مثل له . (1)و دونك الآيات التي فيها ( ليس كمثله شئ ) ونظائرها [حم عسق . كَذَلِكَ
__________
(1) قلت : هو في (( المسند )) ( 5/258,255 ) من طريق مهدي بن ميمون ثنا محمد بن عبد الله ابن أبي يعقوب الضي عن رجاء بن حيوة عن أبي أمامة . ومن هذا الوجه ابن حبان ( 929 ) ، وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين ، لكن رواه شعبة عن محمد هذا قال : سمعت أبا نصر الهلالي عن رجاء بن حيوة. أخرجه ابن حبان ( 930 ) والحاكم ( 1 /421 ) وقال : (( صحيح الإسناد وأبو نصر الهلالي هو حميد بن هلال العدوي )) . ووافقه الذهبي . كذا قالا ، وأبو نصر هذا ليس هو حميد ابن هلال ، بل هو رجل لا يدرى من هو كما قال الذهبي نفسه في (( الميزان )) . وقال الحافظ في (( التقريب )) : ((مجهول)). لكن ذكره في الإسناد شاذ ، فقد رواه ثقتان آخران كما رواه مهدي بم ميمون بإسقاطه ، وصرح بعضهم بسماع ابن أبي يعقوب من رجاء فهو إسناد متصل صحيح وقد صححه الحافظ في (( الفتح )) كما بينته فيما علقته على ( الترغيب والترهيب ) . ن