غيبي إنما يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء كما في الاستسقاء ، وقلة الأزواد في السفر ، وغير ذلك ، والدعاء داخل في المقدورات العادية كما لا يخفى . وكانوا إذا بعدوا عنه فاحتاجوا أن يراجعوه في شيء كتبوا إليه أو أرسلوا على ما جرت به العادة ، فإذا لم يمكن ذلك قال أحدهم : أللهم أخبر عنا رسولك ، كما قال عاصم بن ثابت ، وجاء نحوه عن خبيب ابن عدي / ومنا يحكى عنه مما يخالف ذلك لا يثبت ، ولو ثبت وجب حمله على المعنى المعروف . ودعاؤهم مرجوا الإجابة وليس ذلك بحتم ، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : [)إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ] وقال سبحانه : [ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ] الأنعام : 35 والنصوص في هذا المعنى كثيرة .
و أما الجن فأنه مأذون لهم أذناً قدرياً عاماً في الوسوسة لبني آدم ، وذاك كالأمر الطبيعي لهم ، إما يستدعي بمعصية الله عز وجل والغفلة عن ذكره ، ويستدفع بطاعته سبحانه والتعوذ به . فأما ان ينفعوا الناس أو يضروهم فلو كان مأذوناً لهم فيه أذناً قدرياً عاماً يشبه الأذن للناس ، لفسدت الدنيا ، فإن كان قد يقع شيء من ذلك فإنما يكون بأذن قدري خاص لا يفسد قواعد الدنيا ، والإنسان لا يحتاج إلى الرغبة إليهم لتحصيل شيء من ذلك لأن الله عز وجل قد أغنى الناس بالأسباب العادية ، وبدعائه سبحانه ، أو ليس أن تسأل المالك الحقيقي القادر على كل شيء أقرب وأولى من أن تسأل جنياً على أمل أن يأذن له الله عز وجل إذناً قدرياً خاصاً في فعل مطلوبك ؟ فإن فرض أن إنساناً رغب إلى الجن فحصل له نفع أو أندفع عنه ضر فذلك بمنزلة من يتقرب إلى المشركين بالسجود لأصنامهم ونحوه ، فإنهم قد ينفعونه وليس ذلك بعذر له ، بل الأمر أبعد فإن المشركين مأذون لهم إذناً قدرياً عاماً في النفع والضر على ما جرت به العادة .
وحال السحر كحال الجن قال الله عز وجل : [ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ (1) إِلَّا بِإِذْنِ
__________
(1) في الأصل ( به أحدا ) . ن