كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

اللَّهِ ] أي والله أعلم إذناً قدرياً خاصاً وإنما يقع ذلك نادراً ، نعم قد يعد من السحر ما هو مبني على سبب عادي غريب كالتنويم المغناطيسي ، وما يقع لبعض المرتاضين من التأثير بالهمة فيحسبه الجاهل كرامة .
هذا وإذا أمر الله عز وجل بطاعة أحد أو الخضوع له أو بفعل هو في الصورة خضوع له ففعل المأمور ذلك طلباً للنفع الغيبي من الله عز وجل فهذه عبادة الله عز وجل، وهذا كسجود الملائكة لآدم ، وهكذا تعظيم المسلمين لحرمات الله عز وجل كاستقبال الكعبة (1) والطواف بها وتقبيل الحجر الأسود ، وغير ذلك مما أمرهم الله به ففعلوه طاعة لله غير مجاوزين ما حده لهم ، وكذلك توقير النبي وإكرام الأبوين وأهل العلم والصلاح بدون مجاوزة ما حده الله تعالى من ذلك .
والحاصل أن الخضوع طلباً للنفع الغيبي عبادة . فإن كان عن أمر من الله تعالى ثابت بسلطان فهو عبادة له سبحانه ولو كان في الصورة لغيره كالكعبة ، وإلا فهو عبادة لغيره . ويتعلق بهذا الباب مباحث عديدة قد بسطت الكلام عليها في كتاب ( العبادة ) (2) وإنما ذكرت هنا شذرة منه .
و أصل المقصود هنا تفسير الآية فأقول : إن القرآن يذكر التدبير الغيبي جملة أو يذكر بعض أنواعه تفصيلاً ، ويبين أن المالك له القادر عليه المختار فيه بدون توقف على أمر آمر أو إذن أو تسليط مسلط ، هو الله وحده لا شريك له ، وأن ذلك هو مناط استحقاق العبادة ، فإذا كان سبحانه هو المتفرد بذلك فهو المتفرد باستحقاق العبادة . فتدبر الآيات المتقدمة تجدها على ما وصفت ، وتدبر آيات الشورى التي فيها [ ليس كمثله شئ ] تجدها من هذا القبيل ، فإذا كان الأمر هكذا فالظاهر أن المراد بقوله : [ ليس كمثله شيء ] نفي
__________
(1) تعظيم المسلمين لحرمات الله واستقبال الكعبة والطواف بها وتقبيل الحجر الأسود ليس كل ذلك من الخضوع لغير الله وطاعته بل هو خضوع لله وطاعة له بهذا العمل . م ع
(2) كتاب من تأليفي استقرأت فيه الآيات الاقرآنية ودلئل السنة والسيرة والتاريخ وغيرها لتحقيق ما هي العبادة ، ثم تحقيق ما هو عبادة لله تعالى مما هو عبادة لغيره يسر الله نشره . المؤلف

الصفحة 277