و حديث البخاري يدل على أن أشد ما كان المشركون يعتدون فيه في حق الله تبارك وتعالى هو شكهم في قدرته على البعث ، وقد أخبر به ، ونسبتهم إليه الولد ، والقرآن يؤيد ذلك (1) فإنه كرر تثبيت البعث ونفي الولد في مواضع كثيرة ، فأما شركهم في الألوهية فكان عندهم مرتبطاً بدعوى الولد كما هو بين من عدة آيات ، وقد أوضحت ذلك في كتاب ( العبادة ) وتبين لي أن أول ما سرى إلى العرب نسبته إليه تعالى كانوا يقولون : الملائكة بنات الله ، على معنى أنهم مقربون إليه ، ولم يقولوا : أبناء الله ، خشية إيهام أن يكونوا نظراءه فقالوا : بنات الله ، لأن الإناث عندهمضعيفات ، وليس لهن ميراث من آبائهن ، ثمك طال الزمان فصار أخلافهم يقولون : بنات الله ، ولا يحققون المعنى ، ولم يكونوا يثبتون أن الله عز وجل صاحبة ، ولذلك يقولون : احتج عليهم القرآن بقوله : [ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ] . فدل هذا على أن انتفاء الصاحبة أمر مسلم ، وفي قصة إسلام طلحة أنه جاء وجماعة معه إلى أبي بكر ، فقال : أدعوك إلى عبادة اللات والعزى ، فقال أبو بكر : واللات والعزى ؟ فقال طلحة : بنات الله ، فقال أبو بكر : ومن أمهم ؟ فأسكت طلحة ، ثم قال أبو لأصحابه : أجيبوا الرجل ، فأسكتوا ، فأسلم طلحة .
فأما قول الله عز وجل : [ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبا ] . ، فالمراد بالجنة هاهنا : الملائكة ، والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بنات له ، وما روي أنهم كانوا يقولون إن أمهاتهم بنات سروات الجن ، ولم يصح ، ولو صح لكان الظاهر أنهم اخترعوا هذا بعد قصة طلحة ، واللات والعزى ومناة كانت عندهم أسماء لتلك الإناث التي زعموا أنها بنات الله ، ثم جعلوا لتلك الإناث تماثيل وسموها بأسمائها ، كما جرت به عادة المشركين في أصنامهم ، بل عادة الناس جميعاً في إطلاقهم على التمثال والصورة اسم من يرون أن ذلك ثمثال أو صورة له . وبهذا التحقيق يتضح معنى آيات النجم ، وقد أوضحت ذلك في كتاب ( العبادة ) بما يثلج الصدر . والحمد لله .
__________
(1) أي يؤيد ما أقاده حديث البخاري من شكهم في قدرة الله تعالى على البعث فكرر الرد عليهم في ذلك بذكر أدلة قدرته على البعث ، وذكر نفي الولد عنه بالحجج والبينات الواضحة التي تقطع شبههم وتقيم الحجة عليهم . محمد عبد الرزاق