و المقصود هنا أن الذي يظهر من الآثار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صارح المشركين بإبطال قولهم في الإناث التي يجعلونها آلهة من دون الله ، يزعمون أنها الملائكة ، وأنها بنات الله ، ويمثلون التماثيل بأسمائها ويعظمونها تعظيماً لها ، وصارحهم بنتزيه الله عن الولد ، قالوا : أنسُب لنا ربك ، طمعاً منهم أن يجيبهم بما يستخرجون منه شبهة يشدون بها قولهم ، فأنزل الله تعالى هذه السورة.
فأما تحقيق معناها فلفظ (( أحد )) زعم ابن سينا ومن وافقه أنه الواحد من جميع الوجوه المنزه (( عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة )) . وهذا ما نقلوه من عباراته المموهة . وهو ومن وافقه يوهمون أنهم إنما يجتهدون في تنزيه في تنزيه عز وجل ، وهو في نفس الأمر بعيد عن ذلك ، كما يعلم من نفيهم صفات الكمال عنه ، وإنما غرضهم توجيه وجوده تعالى ، أي وُجُودُه من غير علة . وبعبارة أوضح في العقول الفطرية توجيه وجوده من دون أن يوجده موجد . وذلك أن الفطرة والعقل قاضيان بأن الموجود من هذا الأشياء التي نراها لابد له من موجد ، وأنه مهما كان لبعضها صانع منها فإن فوقها جميعها رباً هو الموجد الحقيقي . ولكن كثيراً من النفوس لا تقنع بهذا حتى تقول : فهذا الموجد الحقيقي من أوجده ؟
فإن قيل : لا موجد له .
قالت : وكيف وجد من غير موجد ؟ فإذا قيل : هذا السؤال إنما يأتي فيما ثبت أو جاز أنه لم يكن ثم كان ، وذلك كأن تمر ببقعة لا بيت فيها ثم تمر بها وفيها بيت ، وكالشمس فإن العقول الفطرية حتى الساذجة تجيز أن يخلق الله تعالى شمساً أخرى غير هذه الشمس ، وتجيز أن يكون قد مضى زمان لا شمس فيه ثم خلق الله تعالى هذه الشمس ، وهكذا سائر المخلوقات ، وإنما قد تتوقف العقول الفطرية في بعض الأشياء التي لا ضير في التوقف فيها من جهة العقل ، وذلك كالفضاء والزمان فإنهما أمرين عدميين كما عليه المتكلمون فالأعدام أزلية ، (1)
__________
(1) أوضح من هذا أن يقال : الأعدام عدم والعدم لا يتصوره العقل وإنما يتخيل بتصور ضده ن الموجودات ، فإذا طرد من بين الموجودات فلا يتصور أن يكون موجداً لشئ منها ونحن في غنى عن تخيل أزلية أو غيرها للعدم . م ع