و إن كانا موجدين فلا يصلحان ولا واحد منهما أن يكون رباً أوجد هذه الموجودات . والمقصود أنه في مثل البيت والشمس يأتي ذلك السؤال فيقال : لم يكن موجوداً فمن أوجده ؟ فأما الموجود الحق الذي ثبت أنه لم يزل فلا يأتي في حقه ذاك السؤال أصلاً .
فقد لا تطمئن النفس لهذا حق الاطمئنان ، وقد نبه الشرع على هذا وعلى علاجه ، ففي ( الصحيحين ) وغيرهما من طرق عن أبي هريرة (( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول من خلق ربك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله (1) ولينته )) لفظ البخاري في (( بدء الخلق )) وفيهما من حديث أنس (( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا : هذا الله خالق كل شئ فمن خلق الله ؟ لفظ البخاري في (( الاعتصام )) . وفي ( مسند أحمد ) من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو الأول وفيه (( فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل : آمنت بالله ورسوله ، فإن ذلك يذهب عنه )) . (2)
فمن أيقن بما قدمناه أول الرسالة من مرتبة الشرع فزع إليه فوجد الشفاء من تلك الوسوسة ، ومن لم بفزع إليه وحاول الاكتفاء بذلك الجواب ، وهو أن ذلك السؤال لا يرد أصلاً جاءه الشيطان من طريق أخرى فقال : إن كان هذا الذي تقوله أنه الموجد الحقيقي أو أنه واجب الوجود شبيهاً بهذه المحسوسات فحكمه حكمها ، وإلا فماذا عساه أن يكون ؟
__________
(1) ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية رداً على الرازي في تشكيكه أن الاستعاذة بالله كيف تكون هلاجاً في دوام وجود الله وعدم أوليته ؟ أفاد شيخ الإسلام أن الشك في العلوم النظرية يدفعه التفكير والبحث وأخذها من البديهيات والقطعيات والضرويات فهنا مرض عقلي ووسواس لا علاج له إلا الرجوع إلى طبيب العقول وهادي النفوس ومصححها وشافيها . وقد استشفى الغزالي بهذا الدواء حينما أصيب بهذا الشك في المحسوسات . وقد قال الشاعر :
و ليس يصح في الاذهان شئ
إذا احتاج النهار إلى دليل
و قد قال ابن عقيل الحنبلي لرجل سأله أنه يغتسل ويتوضأ ويشك في وصول الماء إلى جسده وأعضائه ؟
فقال ابن عقيل : سقط عنك التكليف لأنك مجنن وقد رفع القلم عن المجنون أو نحو هذا . م ع
(2) قلت : وإسناده حسن ، وهو صحيح لغثير كما بينته في (( الأحاديث الصحيحة )) ( 116 ) . ن