كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

فإذا دفع ذلك بنفي تلك الذات المقدسة بحجة أنه لم يرها ، ولا رأى ما تكون من جنسه ، وما كان هكذا فلا سبيل إلى تصوره ، فالأكمة لا يتصور الألوان حتى أنه حتى لا يحلم في نومه بأنه أبصر شيئاً جاءه الشيطان من جهة أخرى فاستعرض ما يثبته العقل والشرع لله عز وجل فيعمد إلى أمر من ذلك فيقول : إن ثبت هذا لتلك الذات كانت شبيه بهذا لمحسوسات فيلزم الافتقار . فأما من وفقه الله عز وجل فإنه لا يعدم مخلصاً ، وأم المخذول فإنه يرى أنه مضطراً إلى نفي الأمر ، ثم يعمد الشيطان إلى أمر آخر فيقول : وهذا كالأول ، وهكذا حتى يأتي على عامة تلك الأمور ، ومنها لوازم الوجود فلا يبقى للإنسان إلا اعتقاد وجود يعتقد انتفاء لوازمه . وقد لا يكتفي الشيطان منه بهذا، بل يقول له : وكيف تعقل مثل هذا ؟ وما تظنه حجة على الوجود قد جربت أمثاله في تلك الأمور ، فليس هناك حجة ، وإنما هي شبهات نسجتها الأوهام والأغراض في العصور المظلمة ، فكن حر الفكر ، قوي الإرادة ، وخلص نفسك من تلك القيود والأغلال ، فانك في عصر العلم ! (1)
فهذه هي الحقيقة والغاية لتلك الوحدة التي موه ابن سينا عبارته عنها ، فإنه يزعم أن ذات الله عز وجل ليست منفصلة عن العالم ولا متصلة به ، ليست خارجة عنه ولا هي فيه ، ليست مباينة له ولا محاثيه (2) ، لم توجد الذوات الأخرى حين وجدت خارج ذات الله عز وجل قريباً أو بعيداً ولا داخل ذاته . والمتكلمون وافق أكثرهم ابن سينا على هذا الأصل ، ثم يقع
__________
(1) واستعذ بالله من تلك الوساوس كما أرشد إلى ذلك الحديث وادع لها بالدعاء المأثور : (( اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما له يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى سراط المستقيم )) . وآثر عن الشيخ ابن تيمية رحمه الله أنه كان إذا أشكلت عليه مسالة توجه إلى الله تعالى وقال : يا معلم إبراهيم أهدني إليها . فيفتح عليه بها الفتاح العليم . م ع
(2) ضد مباينة أي يوجد والكلمة مشتقة من ( حيث ) ظرف المكان ، كما يقال : جلست حيث يجلس القاضي مثلاً .

الصفحة 286