المقصد الخامس إلى الثامن
قال السلفي: لسنا نلتفت إلى دعوى ابن سينا ومن وافقه ولا إلى نظرهم المتعمق فيه بل نقول: كل ما كان حقاً في نظر المأخذين السلفيين فهو حق، وكل ما كان باطلاً في نظرهما فهو باطل، وقد تقدم في الباب الأول ما في كفاية، وبذلك تسقط دعواهم وما بني عليها.
و حاصل كلام ابن سينا ومن وافقه إنما هو نسبة الكذب إلى الله تبارك في كثير مما أخبر به عن نفسه وغيبه، وإلى الرسول في كثير مما أخبر به عن ربه، فإن منهم من اعترف، ومنهم من تقوم عليه الحجة، بأن من تلك النصوص في دلالتها على المعنى الذي يزعمون بطلانه ما هو ظاهر بين، وما هو صريح واضح، وما هو مؤكد مثبت، مع أنه ليس في المأخذين السلفيين ما يصح أن قرينة تصرف أفهام المخاطبين الأولين من كان مثلهم عن فهم تلك الظواهر، بل فيها ما هو واضح كل الوضوح بل، فيها ما هو واضح كل الوضوح في تثبيت تلك الظواهر.
و لا يقتصر أمرهم على هذا بل يلزمه أن يتناول الكذب في زعمهم جميع النصوص الواردة في الثناء على الله عز وجل، وعلى رسوله وعلى كتابه، وعلى دين الإسلام - بالصدق والحق والهداية والبيان والإبانة ونحو ذلك كقول الله عز وجل [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً] [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً] وغير ذلك مما لا يحصى.
و من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة تنزيه الله عز وجل عن الكذب، وتنزيه أنبياءه عن الكذب عليه أي فيما أخبروا به عنه أو عن دينه. وقد تقدم الكلام في ذلك، وفيه بيان تنزههم عن تعمد الكذب فيما عدا ذلك، فإن ثبت أن كلمات إبراهيم عليه السلام مما يطق عليه اسم الكذب، فاظاهر أنها كانت قبل النبوة كما مر، وبالجملة فهي أشد ما حكي عنه الأنبياء، فقد سماها إبراهيم ومحمد عليهما السلام ((كذبات)) وسميت في الحديث ((خطايا)) ويرى إبراهيم عليه السلام أنها تقعد به عن رتبة الشفاعة في المحشر، وتقتضي أن يستحي من ربه عز وجل.
و أرى أن أوازن بين تلك الكلمات وبين النصوص التي زعم المتعمقون بطلان معانيها