كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

العاشر : أن حال إبراهيم كانت ظاهرة للمخاطبين مقتضية أن يترخص في إيهامهم ، وتلك النصوص على خلاف ذلك ، فلم تكن حال محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقتضي إلا الصدق المحض ، فأما رب العالمين فما عسى أن يقال فيه ؟
الحادي عشر : أن إبراهيم احتاج إلى تلك الكلمات ، ولم يكن يمكنه قبل ذلك الاستعداد للحوادث لتلك الحوادث بما يغنيه عن تلك الكلمات أو نحوها ، وتلك النصوص على خلاف هذا – لو لم تكن حقاً ، فإن الله عز وجل إنما خلق الناس لعبادته كما تقدم تقريره أوائل الرسالة ، فلو كان الحق في نفس الأمر ما يزعمه المتعمقون لخلق الله تعالى الناس على الهيئة التي ترشحهم لإدراك ذلك بدون صعوبة شديدة ، وذلك بأن يزيد في عقولهم ويهيئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما يقرب إدراك الحق إلى أذهانهم ، حتى إذا خاطبهم به في كتبه ، وعلى ألسنة رسله ، ونبههم على الدلائل القريبة في ذلك أمكن من يحب الحق منهم ويرغب فيه أن يفهم ذلك ويدركه .
فنقول للمتعمقين : ألم يعلم الله عز وجل ما يكون عليه حال الناس ؟ أم علم ولكن لم يقدر على أن يخلقهم على الهيئة المذكورة ويهيئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما ذكر ؟ أم علم وقدر ، ولكن لم يعبأ باقتضاء الحكمة ، فضطر سبحانه وحاشاه – أخيراً إلى الكذب والتلبيس الذي يوقع الناس في نقيض ما خلقهم لأجله في ا؟لأصول وحرصاً على أن يقبلوا بعض الفروع ؟ هذا مع ما يترتب على ذلك من المفاسد كما يأتي .
الثاني عشر : أن كلمات إبراهيم كان إبراهيم محتاجاً إليها حاجة محققة ، وتلك النصوص – لو لم تكن حقاً – على خلاف ذلك ، فإن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بوجود الله وربوبيته وغير ذلك ، كما سلف في الجواب عن المقصد الرابع ، فلو بنى الشرع أولاً على ما كانوا يعترفون به مما يعترف المتعمقون أنه حق في نفس الأمر ، وعلى ما يشبه ويقرب منه ، وسكت عن غيره مما تأباه عقولهم ، لم يكن ما ينفرهم عن قبول الشرع ، فأي حاجة دعت إلى أن يخاطبوا بما يزعم المتعمقون أنه باطل ؟
بل أقول : لو جاءهم الشرع بالأصل الجامع في الجملة لما يزعمه المتعمقون ، وهو أن الله

الصفحة 299