عز وجل ليس داخل العالم ولا خارجه ، ثم كرر الدعوة والاستدلال كما صنع في إثبات ما كانت عقولهم تأباه من قدرة الله عز وجل على حشر الأجساد ، وكما صنع في نفي ما كانت عقولهم تتقبله أو توجبه من أن الله عز وجل ولداً - لكان فيهم من يخضع لذلك ، ثم لا يزالون يزدادون ، وأنت ترى من لا يحصي من المنتسبين إلى العلم وطلبه وقبلوا ذاك الأصل الجامع ، وبعض فروعه ممن أحسنوا به الظن من المتكلمين ؛ فقلدوه في ذلك وتعصبوا له ، وعادوا من يخالفه ، غير مبالين بعقولهم ، ولا بنصوص الكتاب والسنة ، ولا بمخالفة من هو أجل عندهم ممن قلدوه .
و قد جاء أفراد بمقالات تنبذها العقول الفطرية ، ويردها النظر المتعمق فيه ، ومع ذلك تبعهم من لا يحصى ، والعرب إنما كانوا يستندون في إنكار ذاك الأصل إلى عقولهم الفطرية وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندهم أوسطهم نسباً ، وأفضلهم خلقاً ، معروفاً بينهم بالصدق والأمانة ، والعدل وحب الحق والحرص عليه ، ولا يريد رياسة ولا جاهاً ، ثم جاءهم بالمعجزات ، فلو جاءهم بذاك الأصل ونحوه أما كان يجد منهم من يقلده ويتبعه كما وجد المتعمقون والأفراد الآخرون ، بل كما وجد الرسول نفسه في نفي نسبة الولد إلى الله عز وجل ، وفي إثبات حشر الأجساد ؟ وسيأتي في الجواب عن المقصد العاشر على هذا .
و هب أن الحاجة دعت إلى إظهار موافقتهم على ما يخالف ذاك الأصل وبعض فروعه وأنه ساغ ذلك ، فقد كان يكفي نص أو نصان أو ثلاثة مما هو ظاهر في غير ما يوافقهم محتمل لما يوافقهم ، فيحملون ذلك على ما يوافقهم وأهوائهم ، فإن كان ولابد فما يحتمل المعنيين على السواء ، أو يكون ظاهراً فيما يوافقهم ظهوراً ضعيفاً ، غايته أن يكون نحو كلمات إبراهيم ، فما بال الكتاب والسنة مملوأين بتلك النصوص التي يزعم المتعمقون أن ظاهرها باطل ، ومنها ما ظاهر بين ، وما هو صريح واضح ، وما هو واضح ، وما هو محقق مثبت مؤكد ، فهل كانت الضرورة تدعوة إلى ذلك كله ؟
الثالث عشر : كلمات إبراهيم لم تقتض الحكمة أن يتداركها بالبيان في الدنيا لأنها كانت في قضايا مؤقتة ، ولم تترتب عليها مفسدة ما كما تقدم ، وتلك النصوص لو كانت لما يزعم