المتعمقون لاقتضت الحكمة اقتضاء باتاً أن يتبعها الشرع بما يتبين الحق ، ولم يقع من هذا شئ ، فأما الإشارات المذكورة في المقصد الثالث فقد مر الكلام فيها .
فإن قيل : وكَلَهم الشرع إلى العقل .
قلنا : العقل الفطري يوافق تلك النصوص كما تقدم ، والنظر المتعمق فيه جاء في الشرع التنفير عنه وعن أهله ، هذا مع الأمر المؤكد بالوقوف مع الكتاب والسنة والاعتصام بهما ، ة الحكم بالزيغ والضلال والكفر على من خالفهما ، وتأكيد أن الحق كله فيهما ، وأن الدين قد كمل لهما ، والأمر بالرجوع عند التنازع إليهما ، وبيان أن الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأن الرسول يهدي إلى صراط مستقيم ، وغير ذلك .
الرابع عشر : كلمات إبراهيم عليه السلام يظهر من تسميتها خطايا ، ومن خجله واستحيائه من ربه في المحشر من أجلها انه ندم عليها في الدنيا ، وعزم أن لا يعود إلى مثلها ، وتلك النصوص لم يرد ما يشير إلى ندم محمد صلى الله عليه وآله وسلم من اجلها ، بل الوارد خلاف ذلك ، فأما الرب عز وجل فهو عالم الغيب والشهادة .
الخامس عشر : أن كلمات إبراهيم لم تترتب عليها مفسدة ما ، بل ترتب عليها درء مفاسد عظيمة ، وتحصيل مصالح جليلة ، فقوله : (( هي أختي )) ترتب عليها سلامة إبراهيم من بطش الجبار ، وسلامة الجبار وأعوانه من ذاك الظلم . وقوله : [ إني سقيم ] ترتب عليها تمكنه من تحطيم الأصنام ، وما تبع ذلك من إقامة الحجة . والثالثة ترتب عليها إقامة الحجة على عباد الأصنام حتى اضطروا إلى الاعتراف(1) ، فقال بعضهم لبعض : [ إنكم أنتم1 الظالمون ] . وأما النصوص التي يكذب المتعمقون معانيها التي هي فيها ما بين ظاهر بين ، وصريح واضح ، ومحقق مؤكد . فإن كانت كما يزعم المكذبون فقد ترتب عليها مفاسد لا تحصى .
الأولى : لزوم النقص كما تقرر في الوجوه السابقة حتى لو لم يخلق الله تعالى الناس لما لزم مثل ذاك النقص ، ولا ما يقاربه ، بل لا يلزم نقص فيما أرى .
الثانية : تثبيت الاعتقاد الباطل في أصل الدين وحمل الناس عليه .
__________
(1) الأصل (( لأنتم )) . ن