كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

الثالثة : حمل كثير ممن يسميهم ابن سينا (( الخاصة )) وهم المتعمقون في النظر العقلي على تكذيب الشرع البتة لأنهم يرون فيه تلك النصوص التي يرون أن معانيها باطلة ، فيقولون : لو كان هذا الشرع حقاً ما جاء بالباطل ، والله تعالى أعز وأجل مكن أن يجل أو يكذب ، والأنبياء الصادقون لا يجهلون ولا يكذبون عليه ، واعتذار ابن سينا باطل كما ترى . فإن قيل أما هذم المفسدة فهي حاصلة على كل حال ، قلت : لكن إن كانت النصوص كما يقول المكذبون كانت تبعة هذا المفسدة عليها .
فأما إذا كانت حقاً كما يقول السلفيون فإن تبعة هذه المفسدة تكون على التعمق في النظر وتقديم ما يلوح منه على الفطرة والعقول الفطرية وكلام الله وكلام رسوله ، وبعبارة أخرى تكون تبعتها على إتباع الهوى ، وإيثاره على الحق ، ويكون ذلك بالنظر إلى الشرع مصلحة .
الرابعة : حمل أشد المؤمنين إخلاصاً وأقواهم إيماناً بالله ورسوله ، وألزمهم اعتصاماً بالكتاب والسنة - على تضليل أو تكفير من يظهر خلاف تلك النصوص من (( الخاصة )) ، وحمل (( الخاصة )) على تجهيل أولئك المخلصين وتضليلهم والسخرية منهم .
ومن أعجب العجب أن الفريقين إذا علما ما في الافتراق في الدين من الفساد طلباً من الدين نفسه الذي أوقعها - على زعم المتعمقين - في الافتراق ، وقد زجر عنه - أن يدلهما على المخلص ، فلا يجد أن إلا قول الله عز وجل : [ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ] النساء - 59 .
فيتداعى الفريقان الى تحكيم الكتاب والسنة ، فأما السلفيون فيقولون : ذلك ما كنا نبغي ، وأما (( الخاصة )) فيعلمون أنهم إن أجابوا قضى الكتاب والسنة قضاء باتاً بتلك النصوص ، وإن أعرضوا تلا السلفيون ما يلي تلك الآية [ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ] . النساء - 60 - 61 .

الصفحة 302