و قوله بعد ذلك : [ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ] . النساء - 65 .
الخامسة : إن وقوع الكذب في بعض النصوص لشرعية يفتح الباب لتكذيب الشريعة كلها حتى على فرض قبول اعتذار ابن سينا ، هذا هو نفسه لما علم أن المتكلمين يوافقونه في بعض النصوص الاعتقادية فيزعمون أن ظواهرها باطلة جر ذلك إلى نصوص أخرى في العقائد ، ثم إلى نصوص تتعلق بالملائكة والنبوة والأرواح ، ثم إل النصوص المتعلقة بالبعث والنشور والجنة والنار وغير ذلك ، ثم ختم بأن قضى على كل من يريد أن يكون من (( الخاصة )) بأن لا يلتفت إلى الشرع فيما للرأي فيه مجال ، ففتح الباب بمصارعه ومهد لأصحابه الباطنية وغيرهم .
ولا ريب أنه لو جاز أن يكون في النصوص الشرعية كذب وتلبيس دعت إليه مصلحة ما وإن عارضتها عدة مفاسد ، لم يسلم نص من النصوص من احتمال ذلك ، وإنما حاصل هذا أن الشرع باطل ، وأن الأنبياء إنما أتبعوا أهواءهم ، وأحسن أحوالهم عند (( الخاصة )) أن يكونوا أتبعوا تخيلاتهم .
والحق الذي لا يرتاب فيه مؤمن تنزيه الله عز وجل وكتبه ورسله عما يقول الظالمون الذين يسمون أنفسهم الخاصة ، وأن اتباع الأهواء والتخيلات هي صفة أولئك الفجار ، [ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ ] ثم لرسله (1) [ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ] . النحل - 60 .
__________
(1) بل المثل الأعلى لله وحده وهو تفرده بالصمدية والسؤدد والكمال وتنزهه عن كل عيب ونقص وشين وذم . فالكتاب العصريون الذين استعملوا المثل الأعلى في مطمح النظر والكمال المرجو لمن يتطلبه قد حرفوا المثل الأعلى أن يقال : ولله المثل الأعلى فس الوصف بالكمال ولرسله البيان الواضح والبلاغ المبين فيما أخبروا عن الله ولله وصفه كما قال تعالى : ( سبحان رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ) . قال الشيخ ابن تيمية ما معناه : نزه نفسه عما وصفه به المبطلون ، وسلم على المرسلين لسلامة أقوالهم عما لا يليق بالله تعالى إثباتاً ونفياً ، وحمد نفسه على وصفه ، بربوبية رب العالمين آه ملخصاً بالمعنى في تفسير الآية من (( الواسطية )) وأما إستنكار وصف غير الله تعالى بأنه له المثل الأعلى ، فقد أستفدته من محاورة بعض شيوخ الهند المحققين . والله أعلم . م ع