كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ . أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ] الزخرف – 16 – 17 – 18
مع أن المشركين فيما أرى حاولوا التنزيه لأنهم رأوا أن الابن من شأنه أن يشارك أباه في ملكه بخلاف البنات فأنهن كن في عرفهم مطرحات . وصنيع أولئك الذين يسمون أنفسهم (( الخاصة )) أسوأ من ذلك ، إذ يزعمون أن الله تبارك وتعالى رضي لنفسه ولرسله الكذب والتلبيس ، ثم لا يرتضون مثل ذلك لأنفسهم بل يتنزهون عن ذلك جهدهم ، مع علمهم بأن صنيعهم مناقض لما يقولون أن صلاح الناس فيه وموقع فيما يقولون : إنه فساد عظيم . فليتهم إذ لم يسمح لهم شرف أنفسهم في زعمهم أن يتلوثوا بما يزعمون أن الله عز وجل ارتضاه لنفسه ولرسله سكتوا عن مناقضة ما جاء به الشرع وتركوا المسلمين ودينهم . لكن الله تبارك وتعالى أراد أن يهتك أستارهم ، ويبلوا بهم كما ابتلاهم ، قال تعالى : [. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2) ألم وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ] . فاتحة ( العنكبوت ) .
المقصد العاشر
قال السلفي : لا ريب أن ابن سينا في أمر الحشر أقوى من شبهته في شان الإعتقاد في ذات الله تعالى وصفاته ، فلو ساغ الكذب في شأن الإعتقاد لكان في شأن الحشر أسوغ لأن فحشه أخف ، والحاجة إلى التشديد في الترغيب والترهيب ظاهرة ، فألزمه للمتكلمين في محله ، فأما السلفيون فلا سلطان له عليهم كما لا يخفى .
و مع أن شبهة ابن سينا داحضة لمعارضتها اليقين الضروري ، ففيها خلل من جهات تعلم مما تقدم ، ويختص بقضية حشر الأجساد أن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بحياة الروح بعد موت الجسد ، ويقولون : أن المقتول تبقى تنوح على قبره حتى يؤخذ بثأره كما هو معروف في أشعارهم ، وقد جاء الكتاب والسنة بأشياء من حال الأرواح تصرح بحياتها منفصلة عن الجسد ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين ولا المشركين ، فقد كان من الممكن أن يوسع

الصفحة 305