كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

القول في تعميم الأرواح وعذابها بدون تعرض لما كان العرب ينكرونه من حشر الأجساد ، بل لو كان المقصود إنما هو إجترارهم إلى قبول الشرع العملي لما ذكر لهم حشر الأجساد ، فإنه من أشد ما صدهم عن الإسلام ، قال الله عز وجل : [ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ . أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ] سبأ: 7 – 8 .
و قال تعالى : [ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ . وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ . أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ . أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ . قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ . فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ] الصافات : 14 – 19 .
كانوا يكذبون بالمعجزات إنها سحر ، محتجين بأن الذي ظهرت على يده بما لا يعقل من حشر الأجساد . وانظر ( الصافات ) أيضاً : 53 و( المؤمنون ) : 35 و82 و( الواقعة ) : 47 .
مهمة
قد يفسر حشر الأجساد بجمع أجزائها المتفرقة ، وقد يفسر بإنشاء أجساد أخرى، والنصوص الشرعية تدل على أمر جامع لهذين ، وقد أورد على الأول أن الأبدان في الدنيا تنمو وتحلل فتفارقها أجزاء وتتعوض أجزاء أخرى ، ولا تزال هكذا ثم تبلى بالموت وتتفرق فتدخل أجزاء من هذا البدن في تركيب من هذا البدن في تركيب أبدان أخرى وهلم جرا ، وإعادة تلك الأجزاء أعيانها في جميع تلك الأبدان بأن تكون هي أعيانها في هذا وهي أعيانها في ذاك في وقت واحد غير معقول ، فإن أعيدت في بعضها فلم يعد غيره على ما كان عليه ، وأيضاً فقد تكون الأجزاء من بدن مؤمن ، ثم تصير من بدن كافر ، وعكسه . وأجيب بأن المعاد في كل بدن إنما هو أجزاؤه الأصلية. ونوقش في هذا بما هو معروف . (1)
__________
(1) أقول : والمعروف الآن علماء عند علماء الحياة ( البيولوجيا ) ووظائف الأعضاء ( الفسيولوجيا ) والتشريح الدقيق أن بدن الإنسان بله الحيوان في تبدل دائم حتى إنهم حددوا مدة تبدل البدن كله بسبع سنوات ومع هذا فمن ارتكب جرما وقتا ما ، ثم عوقب عليه بعد مدة تبدلت فيها خلايا بدنه بغيرها لا يقال عرفاً ولا عقلاً وفطرة أن المعاقب غير المجرم ، فمن قتل مثلاً في شبابه وأقتص منه في هرمه وشيخوخته فما عوقب إلا الجاني وإن تبدل باتفاق الباحثين في علم الحياة ووظائف الأعضاء ، وهذا يدل على أن الإنسان شخصية تعقل وتريد وتعمل وتحسن وتسئ راكبة مطية البدن لابسة ثياب الأعضاء فمهما تبدلت المراكب والثياب فالشخص هو الشخص على أي مركب ركب وبأي ثوب ظهر . والله أعلم . م ع

الصفحة 306