كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

قد سألناه عن ذلك فقال : (( أرواحهم في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فأطلع إليهم ربهم أطلاعة ... . )) أخرجه عن جماعة عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود، وقد أخرجه ابن جرير في ( تفسير ) ج 4 ص 106 – 107 من طريق شعبة ومن طريق سفيان الثوري كلاهما عن الأعمش بسنده أنهم سألوا عبد الله بن مسعود فقال : (( أرواح الشهداء ... . )) فثبت سماع الأعمش لهذا الحديث من عبد الله بن مرة ، لأن شعبة لا يروي عن الأعمش إلا ما علم أنه سماع للأعمش ممن سماه نص على ذلك أهل المصطلح غيرهم ، (1) وكذلك أخرج هذا الحديث الدرامي ج 2 ص 206 من طريق شعبة ، فأما عدم التصريح بالرفع فلا يضر لأن هذا ليس مما يقال بالرأي ، مع ظهور الرفع في رواية مسلم .
و في ( مسند أحمد ) ج 1 ص 265 ، (( ثنا يعقوب ثنا أبي إسحاق حدثني إسماعيل ابن أمية بن عمروا بن سعيد عن ابن الزبير المكي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طير خضر تردد أنهار الجنة ، تأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب وظل العرش ، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ... . )) أبو الزبير يدلس ، (2) وقد أخرج الحاكم في ( المستدرك ) ج 2 ص 297 الحديث من وجه آخر عن ابن
__________
(1) ليتك قلت ذلك في حديثه عن أبي وائل عن ابن مسعود السابق في تفسير الصمد ولم تمل إلى تضعيفه مع أنه ربما كان أصح مما صححت في تفسير (( الصمد )) وإن كان لا يخالفه بل يتلازمان ويتظاهران على توضيح المراد . م ع
(2) لو رددنا حديث كل مدلس لرددنا جمهرة طيبة مباركة من السنة التي قبلها الأكابر ونشروها وعملوا بها ، والذي يظهر من عمل المحققين من أئمة السنة إلى مراتب الجرح والتعديل عند التعارض ( ! )ليأخذوا بالأرجح الأقوى إن لم يمكن الجمع ، وحديث أبي الزبير هذا ليت شعري ما الذي عارضه من رواية من هم أرجح منه حتى نشكك فيه وروايته محشو بها ( البخاري ) مكتظ بها ( مسلم ) وغيره فضلاً عن بقية دواوين السنة كأبي داود والترمذي وغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد . م ع
قلت : يبدوا لي في كلام فضيلته ملاحظات :
1 – التسوية بين تدليس الأعمش وتدليس أبي الزبير في التسامح بهما ليس بجيد ، لأن تدليس الأول قليل ، وتدليس الآخر كثير ، ولذلك أحتج الشيخان بالأعمش ، ولم يحتج بأبي الزبير غير مسلم منهما ، أورده الحافظ في المرتبة الثانية من (( طبقات المدلسين )) ، وهي – كما ذكر في المقدمة – مرتبة من احتمل الأئمة تدليسه ، وأخرجوا له في (( الصحيح )) . ثم أورد أبي الزبير في المرتبة الثالثة ، وهي مرتبة من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع كأبي الزبير الملكي . ثم أورد في هذه الطبقة وقال : (( مشهور بالتدليس )) .
2 – قوله في أبي الزبير : (( وروايته محشوا بها ( البخاري ) )) . ليس بصواب ، فإن البخاري لم ينسد له غير حديث واحد متابعة غير محتج به ! قال الحافظ ابن حجر في (( مقدمة الفتح )) ( 2 / 126 ) : (( لم يروا البخاري رحمه الله سوى حديث واحد في (( البيوع )) ، قوله بعطاء عن جابر ، وعلق له عدة أحاديث ))
و مسلم وإن كان أحتج به ، فقد قال الذهبي في ترجمته من (( الميزان )) :
(( وفي (( صحيح مسلم )) عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر ، ولا هي من طريق الليث عنه ، ففي القلب منها شيء )) . ن

الصفحة 308