تلك الأبدان وهكذا حتى تستوفي تلك الأبدان كلها التي دخلت فيها وقضت الحكمة باستشهادها على أصحابها . وقد يشير إلى هذا قوله تبارك وتعالى : [يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ] الانبياء : 104 وقوله سبحانه : [ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ] الأعراف : 29 .
وأما الجزء الجسماني فمن الحكمة فيه تنعيم الأرواح وتعذيبها بما هو من جنس ما ألفته في الدنيا بواسطة الأبدان ، فإن الأرواح لطول صحبتها للأبدان واعتيادها اللذات والآلام التي تصل إليها بواسطتها تبقى بعد مفارقة الأبدان متصورة تلك اللذات والآلام ، متشوقة إلى جنس تلك اللذات ، نافرة عن جنس تلك الآلام ، فإذا أعيدت إلى أبدان ثم نعمت بما هو من جنس اللذات التي ألفتها ، كان ذلك أكمل للذتها وأتم لنعيمها من أن تنعم بلذات روحية محضة فكيف إذا جمع لها الأمران معاً (1) وإن أعيد إلى أعيدت إلى أبدان ثم عذبت بما هو من جنس الآلام التي كانت تنفر عنها كان ذلك أبلغ في إيلامها من أن تعذب بآلام روحية محضة فكيف إذا جمع لها الأمران . 1 ومنها تصديق وعد الله ووعيده وإخباره بالحساب والجنة والنار ، وسائر ما يتعلق بالآخرة ، وهذه الحكمة كافية لإبطال شبهة ابن سينا وموافقيه في أمر الآخرة ، فإننا لو أعرضنا عن الحكم الأخرى واقتصرنا على هذه الحكمة لكفى ، بأن نقول : هب أن الأمر كما زعمت من أن الناس لا يؤثر فيهم الترغيب والترهيب ، إلا إذا كان بما هو من جنس ما أفوه واعتادوه في الدنيا من الأمور الجسمانية واللذات والآلام الجسمانية ، فإن الحكمة إذا اقتضت أن يقضي الله عز وجل وقوع ذلك وتحقيقه لئلا يكون إخباره تعالى وإخبار رسله كذباً ، فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك.
و لنقتصر على هذا القدر على مقالة ابن سينا في إنكاره الاحتجاج بالنصوص الشرعية وننظر مقالات من بعده والله الهادي .
__________
(1) أي فإن ذلك أكمل وأكمل ، وذلك هو الواقع . المؤلف