كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

فخرج بما ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية، تارة لإفادة اليقين كما في مسألة الاجماع وخبر الواحد، وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية)).
أقول: أما المطلب الأول فقد أعد الله تبارك وتعالى لثبوته فطر الناس وعقولهم الفطرية وآيات الآفاق والأنفس، ثم تكفل الشرع بالتنبيه على ذلك وإيضاحه مع تضمنه لآيات أخرى ثم، ثم يتمم الله عز وجل ذلك بالتوفيق لمن استحقه، فمن كان في قلبه محبة للحق ورغبة فيه وإيثار له على ما سواه رزقه الله الإيمان لا محالة، ولهؤلاء درجات بحسب درجاتهم في المحبة والرغبة والإيثار، فمنهم من تقوى هذه الأمور عنده وتصفو فيصفو له اليقين بالفطرة وأدنى نظر. ومنهم من يكون دون ذلك فيحتاج إلى زيادة.
وعلى كل حال، فإن المأخذين السلفيين شافيان مغنيان في تحصيل الحق من هذا المطلب ضرورة أن الله عز وجل بعث رسله وأنزل كتبه في أقوام لا خبر عندهم لغير المأخذين السلفيين ولا أثر؛ واكتفى بهما وبنى عليهما.
ولا يقف الأمر عند الإستغناء عن المأخذين الخلفيين بل إن شأنهما أن يمانعا حصول الإيمان ويزلزلاه لأسباب:
الأول: أن المشتغل بهما يغفل عن المأخذين السلفيين.
الثاني: أنه يتعرض لشبهات تعتاص عليه فيسوء ظنه بالمأخذين السلفيين.
الثالث: وهو أعظم الأسباب حرمان التوفيق، فإن طالب الحق في غير المأخذين السلفيين إما أن يكون فاقداً لصدق المحبة والرغبة والإيثار للحق، وإما أن يكون كان عنده شئ من ذلك ولكنه ضعف بإعراضه عن سبيل الله عز وجل. فقد يبلغ به الضعف إلى أن يزول أثره البتة، وقد يبقى أثره في الجملة فيبقى العبد متردداً، وربما يتداركه الله عز وجل في آخر الأمر فيرجع إلى المأخذين السلفيين، وإن كان لا صفو له ذلك كما يصفو لمن ثبت عليهما من أول أمره، ولذلك كان إمام الحرمين يتمنى في آخر أمره أن يموت على دين عجائز نيسابور كما تقدم في الباب الأول.

الصفحة 314