كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

ذلك قرينة على أن المراد بالخبر غير ظاهره ، كأن يكون عنى قد غربت أمس ، أو قد قارت الغروب ، فعلي الآن أن لا آخذ بظاهر الخبر ، لأن احتمال عدم الغروب اليوم قرينة ؟
فإن قيل : فإن الرازي فرق بين الأمور التقليدية وغيرها .
قلت : لم يأت على ذلك بحجة ، بل هو فرق باطل ، مع ذلك فإنا إذا فرضنا أن الشمس لم تكن قد غربت في ذاك اليوم فاحتمال أن تكون قد غربت فيه ممتنع عقلاً ، ثم نقول للرازي : أرأيت عالماً خرج إلى البادية فكان يخبر الناس أخباراً ظاهرة بينة في عقائد باطلة ، ويتأول في نفسه معاني صحيحة ، ويقول في نفسه : القرينة على احتمال أني لم أرد الظاهر هي احتمال الامتناع العقلي وكثر من ذلك جداً ، ألا يقبح منه ذلك ولا يأثم ولا يكفر إذا كان في أخبار ما هو ظاهر بين فيما هو كفر ؟ وقال ابن حجر الهيتمي في ( الإعلام ) بهامش ( الزواجر ) ج 2 ص 31 : (( نقل الإمام – يعني إمام الحرمين – عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهراً أو باطناً ، وأقرهم على ذلك )) .
ثم ذكر الهيتمي أن الحكم بالكفر باطناً فيه نظر .
أقول : قولهم : (( كلمة الردة )) إنما يفهم منها عند الإطلاق الكلمة الصريحة فيها، وقولهم : (( أضمر تورية )) ظاهر في تلك الترية لا قرينة عليها ، وما كان كذلك فالتلفظ به مع معرفة حاله لا يكون إلا عن تهاون شديد ، (1) ومن المعلوم أن من كان كارهاً لشيء نافراً عنه فإنه يتباعد عنه ما استطاع ، وهذا قد تقرب من الردة ما استطاع وكفى بذلك تهاوناً ، ومع هذا فقد قالوا إن الرضا بالكفر كفر ، ولا ريب أن ذاك الخارج إلى البادية قد رضي أن يعتقد الناس ظواهر ما أخبرهم به .
و افرض أن أهل البادية كانوا يسألونه عن قضايا اتفقت فيهم في الوصايا وقسمة المواريث
__________
(1) ثم رأيت في كتاب ((تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي)) للبقاعي ص 23 ذكر مقالة إمام الحرمين ثم قال :
(( قال الإمام الغزالي في (( البسيط )) بعد حكايته عن الأصوليين : (( بحصول التهاون منه )) ، ومنه ص 66 الحافظ العراقي : (( لا يقبل ممن اجترأ على مثل هذه المقالات القبيحة أن يقول : أردت بكلامي هذا خلاف ظاهره ، ولا نؤول له كلامه ولا كرامة )) . المؤلف .

الصفحة 318