كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

يحتاج في معرفة مقاديرها إلى معرفة دقائق الحساب وكان يذكر لهم مقادير يعلم أنها مخالفة للولقع ويضمر تورية في نفسه ، فيعملون بظاهر فتاواه ويحفظونها ليعلموا بها فيما يتفق بعد ذلك من أمثال تلك القضايا ، وترتب على ذلك ظلم كثير للفقراء واليتامى والأرامل ، وهو يزعم أن لم يرتكب محظوراً لإضماره التورية مع احتمال الامتناع العقلي لأن مسائل الحساب من أوضح المعقولات ، فهل يعذر في ذلك ؟
و افرض أن رجلاً عاقل خاطبك بكلام ، فتدبرته ملاحظاً القرائن ، فعلمت أن الكلام ظاهر بين في معنى ، وأنه لا قرينة تصرف عن ذاك المعنى ، وأنه لا وجه لفرض أن يكون المتكلم عجز عن البيان أو جهل أو أخطأ ، أفلا تعلم ذلك بأن المتكلم أراد أن يكون كلامه ظاهراً بيناً في ذاك المعنى ، وعمل بمقتضى هذه الإرادة فجاء بالكلام على وفقها ؟ ثم أن خطر ببالك احتمال أن يكون أراد في نفسه معنى آخر على وجه التأويل ، وأن يكون ذاك المعنى الظاهر البين الذي أراد أن يكون الكلام مفهماً له ثم جاء بالكلام على وفق من هذه الإرادة غير واقع ، أليس معنى هذا الخاطر إنما هو احتمال أن يكون الكلام كذباً ، وإن يكون ببالك لكان تأويل المتكلم في نفسه إنما هو على أحد ثلاثة أوجه :
الأول : مثل تأويل إبراهيم عليه السلام .
الثاني : أن يكون توهم أنه إذا تأول في نفسه فقد برئ من معرفة الكذب .
الثالث : أن يكون إنما أعد عذراً حتى إذا انكشف الحال وبان كذبه قال : إنما عنيت كيت وكيت .
فأما الأول فهو تأويل إبراهيم فقد سبق أن محله أن يكون الكلام قريب الاحتمال جداً لغير ما هو ظاهر في ، وأن يكو المتكلم مضطراً إلى الإيهام ، وأن يكون في ذاك الإيهام دفع مفسدة عظيمة ، ولا ترتب عليه مفسدة ما ، وهذه الأمور منتفية عن النصوص التي يزعم المتعمقون أن ظواهرها باطلة ، كما قدمناه في الكلام على المقصد الخامس من مقاصد

الصفحة 319