وهب أن القطع لا يحصل في كل خبر فالرازي معترف بحصول الظن القوي ، وذلك اعتراف بأن تلك النصوص أو أكثرها مت حقها أن يفهم المخاطبون الأولون منها تلك المعاني التي ينكرها المتعمقون ، فإن من الممتنع عادة أن يخطئ المخاطبون الأولون ومن كان مثلهم في فهم تلك النصوص كلها خلاف ما حقها أن يفهموه منها ، وإذ ثبت هذا ثبت أن القول ببطلان تلك المعاني تكذيب لله عز وجل ولا بد .
وأيضاً فالإيقاع في ظن الباطل قريب من الإيقاع في القطع به ، ألا ترى أن الإنسان إذا أخبر صاحبه بخبر إنما يحصل لصاحبه الظن لاحتمال أن يكون غلط أو أخطأ او جهل أو عجز أو تعمد الكذب ، ومع ذلك فإنه إذا كذب فعليه تبعة الكذب .
وإن عنى الرازي بقوله : (( ... أن يريد به ... )) الإرادة الثانية على زعم أنها قد تخالف في كلام الله تعالى الأولى ، فحاصل عبارته على هذا : أن الله تعالى لا يكون ملبساً إلا إذا امتنع عقلاً أن يكون ملبساً ، وهذا لا يظهر له معنى إلا أن يكون مغزاه أن اله تعالى إنما يكون ملبساً إذا امتنع عقلاً أن يكذب ، فإما إذا لم يمتنع عقلاً أن يكذب فالمصدق له هو المقصر ، فعلى هذا تكون منزلة رب العالمين عند الرازي منزلة الرجل الذي دينه الكذب ، فإذا كذب على قوم فبنوا على خبره ، فنالهم ضرر ، فلاموه كان لغيره أن يقول لهم : هذا رجل من عادته الكذب فأنتم المقصرون إذا عملتم بخبره ، فإن لم تعرفوا عادته فقد كان عليهم أن تتثبتوا ! والرازي لا يرضى هذا المثل نفسه ، ولا أقل أصحابه ، بل لا يرضى به إنسان لنفسه [ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ] النحل : 60 .
وبخ الله تعالى بهذا المشركين على قولهم أن له سبحانه بنات ، مع كراهيتهم أن تكون لهم بنات ، ولا أرى المقالة السابقة إلا أكبر من هذه ، وقال تعالى في الذين قالوا أن له سبحانه ولداً : [ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ] . الكهف : 5 .
وقال سبحانه لقائلي ذلك : [ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ] مريم : 89 - 90 .