كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

وقد اتفق المسلمون على أنه يمتنع عقلاً أن يقع من الله تعالى كذب، غاية الأمر أن أكثر الأشاعرة زعموا أن الامتناع إنما هو بواسطة إخبار الرسول به مع امتناع أن يكذب الرسول.
هذا وقد رجع الرازي ولله الحمد أن الإحتجاج بالنصوص كما تقدم في الباب الأول، وإنما اشبعت الكلام لأن كثيراً من الناس تبعوه في مقالاته، ولم يلتفتوا إلى رجوعه، كما يأتي عن العضد وغيره. والله المستعان.
قول العضد وغيره
كلام العضد وغيره في هذه المسألة تلخيص لكلام الرازي الذي تقدم نقل بعضه عن (مختصر الصواعق)، مع مخالفة يسيرة ستراها إن شاء الله تعالى.
قال العضد في أواخر الموقف الأول من (المواقف).
المطالب ثلاثة أقسام:
أحدها: هو ما يمكن، أي لا يمتنع عقلاً إثباته ولا نفيه، نحوا جلوس غراب الآن على منارة الإسكندرية، فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل.
الثاني: ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل، إذ لو ثبت بالنقل لزم الدور.
الثالث: ما عداهما نحوا الحدوث إذ يمكن لإثبات الصانع دونه، والوحدة، فهذا يمكن إثباته بالعقل إذا يمتنع خلافه عقلاً بالدليل الدال عليه، وبالنقل لعدم توقفه عليه)).
أقول: هذه هي مطالب الرازي وإنما اختلف الترتيب. قال السيد الجرجاني في شرحه للمطلب الأول وهو في ترتيب الرازي الثاني: ((لأنه - يعني جلوس غراب على منارة الإسكندرية ونحوه - لكا كان غائباً عن العقل والحس معاً استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق، ومن هذا القبيل تفاصيل أحوال الجنة والنار والثواب
والعقاب ... )).
أقول: هذا يدل على ما قدمته من أن فرار المتكلمين إلى هذا التقسيم إنما هو محاولة للتخلص من إلزام ابن سينا وقد مر ما فيه. ثم قال العضد:

الصفحة 325