بحفظه بقاء الحجة قائمة والهداية دائمة إلى قيام الساعة ، وبهذا يعلم يقيناً أن الشارع لو نقل كلمة عن معناها اللغوي إلى معنى آخر لبين ذلك للناس بياناً واضحاً ، ولو بين لنقل بيانه ، لتكفل الله عز وجل بحفظ الدين ، ولما يلزم من انقطاع ذلك أن تنقطع الحجة والهداية ، فتقوم الساعة أو يبعث نبي آخر ، وقد علمنا أن الدنيا باقية ، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين ، وقد تقرر في الأصول أن من الأخبار المقطوع بكذبها ما نقل آحاداً ، والعادة تقضي أنه لو وقع لنقل متواتراً ، فما لم ينقل آحاداً من ذلك فالقطع بعدم وقوعه أوضح . وفوق هذا فإن السياق كثيراً مايعين معنى الكلمة حتى لمن يجهل أصل معناها ، وكثير من الكلمات تتكرر في الكتاب والسنة ويدل السياق في كثير من تلك المواضع أو أكثرها على معنى الكلمة ، وهكذا يكثر استعمالها على ألسنة حملة الشرع من الصحابة والتابعين ، بل كثيراً ما يدل السياق في الكلمة التي قد ثبت أن الشارع نقلها على أنها في ذلك الموضع ليست بالمعنى المنقولة إليه كقوله تعالى : [ إن الله والملائكة يصلون على النبي ] ، (1) وقوله تعالى : [ ولا تزكوا أنفسكم هو اعلم بمن أتقى ] ، وغير ذلك ، فما بالك بما لم يأت أنه نقل إلى معنى آخر .
و نحو هذا يأتي في الاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير ، وقد تقرر أن الظاهر حجة ، وأن من استعمل الكلمة في غير المعنى الظاهر منها كان عليه أن ينصب قرينة وإلا كان الكلام كذباً ، واحتمال قرينة لم تنقل يرده ما تقدم من تكفل الله عز وجل بالبيان وبحفظ الشريعة ، وقضاء العادة بأنها لو كانت هناك قرينة لنقلت ، وكثيراً ما تقوم الحجة القاطعة على أن الكلام على ظاهره ، إما من الكلام نفسه بتركيبه وسياقه ، وأما بمعونة نظائره في الكتاب والسنة ، وقد أخطأ أفراد من الصحابة في فهم قوله تعالى : [ ... وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ] ، مع أن خطأهم إنما كان لغفلتهم
__________
(1) كأنه يشير إلى أن لفظ ( يصلون ) في الآية الأولى ولفظ ( تزكوا ) في الثانية منقول عن وضعه اللغوي ، وهذا وإن ظهر في لفظ ( يصلون ) فلا يظهر في لفظ ( تزكوا ) . م ع
يقول المؤلف : عبارتي واضحة في غير هذا ، إنما أردت أن الشارع نقل لفظ الصلاة إلى ذات الركوع والسجود ولفظ الزكاة إلى أداء زكاة المال . ومع ذلك فسياق الآية الأولى يبين أن الصلاة فيها غير ذات الركوع والسجود ، وسياق الثانية تبين أن الزكاة فيها غير أداء زكاة المال .