كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 2)

عن السياق والقرائن كما أوضحته في رسالة ( أحكام الكذب ) ، ومع ذلك كان خطأ أولئك الأفراد سبباً لإنزال الله عز وجل بقية الآية زيادة في البيان والإيضاح ، فكيف يعقل أن يكون النص في العقائد ثم تخفى القرينة على جميع الصحابة ثم لا يبين الله لهم ، أو يعرفها جماعة منهم ثم لا يبالون بنقلها ، ولا يبعثهم الله تعالى على نقلهم نقلاً متواتراً يصل إليه علماء الرواية فيشيعونه ويذيعونه ؟ ! ولا ريب أنه كما كان الصحابة مخاطبين بالنصوص فكذلك من بعدهم وكما تترتب المفسدة الشديدة على جهل الأولين بالقرينة فكذلك من بعدهم ، غاية الأمر أن القرينة وإن كانت في حق المخاطبين الأولين لا بد أن تقترن بالنص فقد يجوز أن يستغني بعض النقلة باشتهارها فلا ينقلها مع النص ، لكن لا يلزم من هذا ألان لا تنقل ، بل لا بد من النقل لما تقدم ، فإذا طلبها العلماء في مظانها فلم يجدوها ، وحقها أن تنقل نقلاً متواتراً تواتراً يناله العلماء ، قطعوا بأنها لم تنقل كذلك ، فقطعوا بعدمها ، فقطعوا بأن النص على ظاهره .
وليس الحال فيما يتعلق بالعقائد كالحال فيما يتعلق بالأحكام ، فإن الأحكام يجوز فيها أن تنقل القرينة آحاداً فقط لأن الخطأ في ذلك أمر هين ، وقد يكون الخطأ بالنظر إلى النصوص في الأحكام صواباً بالنظر إلى الحكمة ، فإن القوانين الشرعية تبنى على الأغلب في الحكمة ، ولكن الله تبارك وتعالى يتولى تطبيق الحكمة بقضائه وقدره ، فكما فرض الله تعالى الحكم بشهادة العدلين ، وقد يتفق أن يخطئ عدلان ، لكن الله تبارك وتعالى يتولى في مثل هذا تطبيق الحكمة بقضائه وبقدره ، فكذلك قد يعرف القاضي دليلاً عاماً فيقضى به ، وهناك مخصص له لم يقف عليه ، فهذا القضاء وإن كان خطأ بالنظر إلى نفس الأمر بحسب الدلائل ، فلعله صواب عند الله عز وجل بمقتضى الحكمة في تلك القضية ، فأما العقائد فعلى خلاف هذا إذا لا يعقل تغيير الحكمة فيها ، وكما يضر فيها القطع بالباطل فقريب منه الظن ، فهب أن العالم إذا بحث فلم يجد قرينه لم يقطع بظاهر النص ، فلا بد أن يظنه ، ولا يستطيع أن يدفع الظن عن نفسه ، ومع الظن فلا بد أن يحمد من أصحاب المقالات من يوافق ذاك الظن ، ويذم من خالفه لغير حجة صحيحة .
وبالجملة فمن تدبر القرآن والسنة وآثار السلف لم يخف عليه الحق في كثير منها، وأنه

الصفحة 328