أنفسها والقرآئن في الشرعيات يفيد الجزم بعد المعارض لأجل إفادته الإرادة من القائل الصادق جزما ، وفي العقليات إفادته الجزم بعدمه محل نظر بناء على إفادته لإرادة محل له لأنه بعد ما علم مراد الشارع يقيناً في العقلي والنقلي يحصل الجزم بعدم المعارض في الثاني دون الأول فإنه غير مسلم )) .
أقول : لا شك أن هذا الذي زعمه هو مرادهم ، لكنه لا يفيدهم شيئاً ، لأن ذاك النظر لا يستند إلى شئ سوى أنهم وجدوا الشبهات التعمقية تخالف بعض النصوص ، فلم يكن عندهم من قوة الإيمان ما يحملهم على اطراح تلك الشبه وتصديق الشرع ، وكبر عليهم أن يصرحوا بتكذيب الشرع ، فحاولوا أن يتخذا بين ذلك سبيلاً ، وهيهات !
وكذلك السع التفتازاني جرى في ( المقاصد ) و( شرحها ) على أن النصوص لا يحتج بها في مقابل تلك الشبه وجمجم في ذاك الموضع جمجمة ينكشف حالها في كلامه في موضع آخر ، كما يأتي في مسألة الجهة إن شاء الله تعالى .
وقد أوضحت في رسالة ( أحكام الكذب ) اتفاق البيانيين ومنهم التفتازاني والجرجاني وعبد الحكيم أن الكلام إذا كان حقه أن يفهم منه مع ملاحظة قرينة - إن كانت - خلاف الواقع ، لم تخرجه الإرادة التي هي التأويل الذهني عن كونه كذباً ، وتقدم بعض ما يتعلق بذلك ومرت عبارة الجرجاني قريباً . فمتى تحقق في النص أنه ظاهر بين في معنى ولا قرينة تصرف عنه ففرض بطلان ذاك المعنى مستلزم أن الكلام كذب ، وأن المتكلم كاذب ولابد ، ويتأكد بعيداً جداً عن احتمال غير ذاك المعنى فإنه يتحقق حينئذ عدم العلاقة مع عدم القرينة .
وزعم الجرجاني في ( شرح المواقف ) أن القول بأن الأدلة لا تفيد اليقين هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة ، فإن صح هذا القول فهو بالنظر إلى متأخري الطائفتين، فأما المتقدمون فلا يظن بهم هذا ، نعم إنهم يخالفون بعض النصوص ولكن قد يكون ذلك لاشتباه ما توهموا أنه دليل عقلي بالدليل العقلي الصحيح الذي من شأنه أن لا يخفى على المخاطبين الأولين فتوهموا أنه قرينة صحيحة ، أو لاشتباه معاني بعض الآيات عليهم ، فظنوا أنها صريحة