فيما ذهبوا إليه ، وأنها قرينة صحيحة توجب تأويل ما يخالفها، وقل عالم إلا وقد خالف بعض النصوص ، وكما لا يلزم من ذلك إنكار أن تكون النصوص حجة ، فكذلك لا يلزم إنكار أنها قد تفيد اليقين ، بلى إذا كثرت المخالفة فقد يتجه الحكم . والله أعلم .
المحكم والمتشابه
كثير من المتعمقين يسترون تكذيبهم للنصوص بدعوى أن ما يخالفونه منها هو من المتشابه المنهي عن إتباعه ، وقد كثر الكلام في المحكم والمتشابه ، وسألخص ما بان لي راجياً من تعالى التوفيق .
المعنى المتبادر إلى الذهن من كلمتي (( محكم )) و(( متشابه )) أن الحكم هو المتقن الذي لا خلل فيه ، والمتشابه هو الذي يشبه بعضه بعضاً ، والقرآن كلام رب العلمين ، أحكم الحاكمين ، العليم القدير ، فلابد أن يكون كله محكماً ، وينبغي أن يعلم إحكام الشئ يختلف باختلاف ما أعد له ، ففي البناء يختلف الإحكام في الحصن ودار السكنى وقصر النزهة ، (1) وهكذا يختلف الإحكام في حجر الدار الواحدة كالمجلس والمخزن والحمام ، ويختلف المعد لغرض واحد باختلاف الأحوال ، فالمجلس الذي يصلح للشتاء قد لا يصلح للصيف ، والذي يصلح للصيف في بلد لا تكون فيه السموم (2) قد لا يصلح في بلد تكون فيه ، وهكذا الكلام كما يقوله البيانيون في تفسير البلاغة، فمهما يكن في بعض الآيات مما يزعمه بعض الناس خللاً فهو بالنظر إلى ما أعدت له الآية عين الإحكام.و هناك صفات تشترك فيها آيات القرآن كالإحكام والصدق وغير ذاك من الصفات المحمودة ، فيصح أن يقال : إن القرآن كله متشابه كما أنه كله محكم ، وقد وصفه الله تعالى
__________
(1) كل بحسبه ، فإتقان الحصن غير إحكام دار السكنى قصر النزهة . م ع
(2) السموم الرياح الحارة مع الجفاف كاصبا والشمال في تهامة والحجاز وكالجنوب في مصر . م ع